6 سنين بقلم مني السيد 1

الجو اتكهرب في الصالة…عمر بصلي بنظرته الهادية المخيفة اللي كنت زمان بفتكرها رزانة وعقل:
— متأكدة؟ مفيش أي حاجة تانية حابة تقوليها لي؟
طبعاً كان فيه…كان نفسي أقوله إني عرفت هو مين.
وعرفت قصة شيرين، وعرفت حوار الوصية والورث، وعرفت السم اللي كان بيحطهولي في اللبن…بس هو مكانش عايز الحقيقة… كان عايز يشوفني مكسورة.
كان مستني أركع تحت رجليه وأطلب منه فلوس عشان أنقذ ابنه اللي هو نفسه كان السبب في تعبه.
في اللحظة دي، تليفوني اتهز على الترابيزة.
رقم غريب….. رسالة واتساب
فتحتها وعمر عينه منزلتش من عليا. الرسالة كانت بتقول: …..!!!!! #حكايات_مني_السيـد
الرسالة كانت بتقول: **”مبروك الحمل يا مدام كريمة… تفتكري ابنك هيعيش لحد ما يشوف أبوه وهو بيمضي على نقل ملكية باقي أسهم مجموعة رسلان لاسم شيرين؟”**
جسمي كله سقع، والدم هرب من عروقي. بصيت للرقم، مكانش مسجل، بس الصورة الشخصية كانت واضحة زي الشمس… شيرين صبري! واقفة بكل فخر قدام عربيتها الـ 8 مليون جنيه، ولابسة نضارة شمس مغطية نص وشها، وبتبتسم ابتسامة صفرا كأنها بتقولي: “إنتي خسرتي كل حاجة قبل ما تبدأي”.
رجلّيا مكانتش شيلاني، بس دست على وجعي بقوة عمري ما تخيلت إنها عندي. قفلت شاشة التليفون وبصيت لعمر اللي كان ب يتابع كل حركة في وشي وعينه ب تلمع ب فضول قاتل، مستني الانهيار، مستني الدموع، مستني اللحظة اللي هرمي فيها نفسي تحت رجليه وأقوله “الحقني يا عمر.. ابننا بيموت ومعيش فلوس”.
— فيه حاجة يا كريمة؟ مين اللي بيبعتلك رسايل في وقت زي ده؟
صوته كان هادي، هدوء ما قبل العاصفة، الهدوء اللي عشت معاه ٦ سنين وأنا فاكراه حنية وطيبة، وهو في الأصل برود ملوش آخر.
بلعت ريقي اللي كان ناشف زي الحطب، ورسمت على وشي ابتسامة باهتة مليانة تعب تمثيلي، وقلت له:
— دي.. دي الوكيلة بتاعة المدرسة يا عمر. ب تبلغني ب جدول الحصص بتاع الأسبوع الجاي، وب تسألني لو هقدر أنزل عشان الحمل.
هز راسه ب بطء، ومسك القلم الدهبي اللي في إيده وقعد يلفه بين صوابعه ب حركة متمكنة، حركة م تطلعش من موظف غلبان أبداً. وقال ب نبرة فيها لؤم مداري:
— اهاا… طيب، والدكتور حاتم مقالكيش إن الحمل محتاج مصاريف زيادة؟ أشعة؟ تحاليل؟ أدوية غالية مثلاً؟ إنتي عارفة إن ظروفنا على القد يا كريمة، والـ 7 آلاف جنيه بتوعي يا دوب بيكفونا لآخر الشهر مع الـ 5 آلاف بتوعك… لو فيه أي حاجة تانية قوليلي، متخبيش عليا.
“ياااااه على الجبروت!”… الكلمة دي صرخت جوايا بس مطلعتش لبرة. الراجل ده مش بني آدم، ده شيطان لابس قناع حبيب. ب يسألني وهو عارف البير وغطاه، عارف إن ابنه ب يموت ب سببه، وب سبب حبوب منع الحمل اللي كان ب يدسهالي في اللبن كل ليلة وهو ب يبتسم في وشي ويقولي “عشان صحتك يا حبيبتي”.
حطيت إيدي على بطني وبصيت له وعيني ثابتة في عينه:
— لا يا عمر، مفيش أي حاجة غالية. الدكتور طمني وقالي كل حاجة تمام، والفلوس اللي معانا في البنك تكفي وتفيض وزيادة. مش محتاجة منك ولا م أي حد قرش واحد.
ملامح وش عمر اتغيرت في ثانية. اللمعة اللي في عينه انطفت، وحواجبة اتقفلت ب ضيق مكنش قادر يداريه. الكلمة وجعته في كبريائه. هو كان مستني “الشحاتة”، مستني الانكسار اللي يخليه يحس ب انتصاره ويذلني بيه عشان يرضي غله من جدي والوصية.
ساب القلم من إيده وقام وقف، وبصلي ب نبرة حادة شوية:
— تمام يا كريمة… براحتك. أنا هروح أنام عشان عندي شغل الصبح بدري.
مشى وسابني واقفة في الصالة. أول ما باب الأوضة اتقفل، انهرت على الكنبة. دموعي اللي حبستها طول الساعات اللي فاتت نزلت زي المطر، بس مكانتش دموع ضعف… كانت دموع غسيل لكل السذاجة والطيبة اللي عشت بيهم.
أنا كريمة كامل… البنت اليتيمة اللي رباها راجل صعيدي أصيل في طنطا، جدي اللي علمني إن الكرامة أغلى من الروح. جدي مكنش مجرد راجل طيب، جدي كان حاطط شرط في الوصية عشان يحميني، عشان عارف إن عيلة رسلان ممكن تبلعني، بس مكنش يعرف إن حفيد رسلان هيبقى بالوساخة دي.
مسكت تليفوني ودخلت الأوضة التانية، أوضة الأطفال الفاضية اللي كنا ب نجهزها ب الخشب المستعمل والدهان الرخيص عشان “الميزانية”. قعدت على الأرض الحافية، وفتحت الرسالة بتاعة شيرين تاني.
رديت عليها ب كلمتين اتنين بس: **”الأسهم مش ه تتنقل يا شيرين… عشان صاحب الشركة نفسه ممكن يتغير”**.
وعملت لها بلوك.
## خطة النجاة… والـثـأر
من اللحظة دي، كريمة القديمة ماتت. م بقاش فيه مكان للخوف. ابني اللي في بطني ده مش ه سيبه يموت، وفلوس عمر رسلان اللي ب يستخسرها في علاج ابنه، هاخدها كاملة وب القانون، مش عشان طمعانة، لأ… عشان دي فلوس جدي وحقي وحق ابني اللي ب يدفع تمن غل عمر.
تاني يوم الصبح، عمر نزل الشغل بعد ما سابلي الـ ٢٠٠ جنيه بتوع مصاريف الأسبوع كالعادة، وباس دماغي ب نفاقه المعتاد. أول ما نزل، لبست هدومي، ونزلت علطول.
مكانش ينفع أروح لدكتور حاتم تاني، الدكتور ده خاين للقسم بتاعه، وب يساعد جوزي ب كل ندالة. فتحت التليفون ودورت على أكبر مستشفى استثماري في القاهرة، ورحت هناك ل دكتورة نسا كبيرة ومشهورة اسمها دكتورة ماجدة.
بعد الكشف والـسونار، الدكتورة بصتلي ب قلق وقالت:
— يا مدام كريمة، الجنين في حالة حرجة فعلاً، فيه ضعف شديد في تدفق الدم، وبصراحة كده… فيه نسب عالية من آثار مادة هرمونية قوية في تحاليلك، كأنك كنتي ب تاخدي حبوب منع حمل لفترة طويلة ووقفتيها فجأة أو ب تاخديها وانتي مش دريانة!
كلامها أكدلي الحقيقة المرة. ضغطت على إيدي وقلت لها بصوت مخنوق بس ثابت:
— دكتورة… أنا عايزة تقرير طبي رسمي ومختوم ب كل اللي قولتيه ده. بكل التفاصيل وبنسب السموم والهرمونات دي. وعايزة ابني يعيش… أرجوكي، احجزيني هنا فوراً وابدأي العلاج المستورد.
الدكتورة بصتلي ب إعجاب من قوتي وقالت:
— التقرير ه يكون جاهز في خلال ساعة. والحجز ه يبدأ من دلوقتي، بس المستشفى هنا تكاليفها عالية جداً يا مدام، الليلة بـ ١٠ تلاف جنيه غير الأدوية.
طلعت الفيزا بتاعة البنك اللي عليها الـ ٨٠ ألف جنيه شقا عمري وقلت لها:
— ادفعي الحجز من دول يا دكتورة، وباقي المصاريف ه تتغطى بكرة الصبح ب الكتير… من مكان تاني خالص.
## في قلب الأسد… مجموعة رسلان المعمارية
بعد ما اتطمنت إنهم بدأوا يدولي المحاليل والعلاج في المستشفى، وخدت التقرير الطبي في الشنطة، طلبت من الممرضة تخلّي بالها من المحلول، وقلت لها إني ورايا مشوار ساعتين وراجعة.
ركبت تاكسي، ورحت على العنوان اللي دورت عليه على الإنترنت: **برج رسلان المعماري – كورنيش النيل**.
لما وصلت، انبهرت من فخامة المكان. برج زجاجي عملاق ب يلمع تحت الشمس، موظفين ب أحدث البدلات، أمن واقف في كل مكان. وأنا؟ أنا كنت داخلة ب عبايتي العادية، وجاكت دبلان، ملامحي شاحبة من التعب والحمل، بس عيني كان ب يطلع منها شرار.
موظف الأمن استوقفني ب نبرة فيها تكميم:
— أي خدمة يا مدام؟ رايحة فين؟ عندك معاد؟
بصيت له ب ثقة عمري ما حسيت بيها وقلت بصوت عالي سمعه كل اللي واقفين في الريسبشن:
— قول لـ عمر رسلان، رئيس مجلس الإدارة، إن مراته كريمة كامل… حفيدة الحاج كامل الهواري، واقفة تحت ومستنياه. ولو م نزلش في خلال دقيقتين، هطلع له المكتب وسط الموظفين والشركاء بتوعه.
الموظف تنح، وبصلي ب صدمة. الاسم هز المكان. “حفيدة كامل الهواري” ده الاسم اللي مكتوب في وصية جد عمر، الاسم اللي بسببه البرج ده كله قايم. الموظف جرى على التليفون ويده ب تترعش، ومفيش نص دقيقة ولقيته ب يقولي:
— اتفضلي يا فندم… الأسانسير الخاص مستنيكي للدور الأخير.
## المواجهة الأولى
لما الأسانسير فتح في الدور الأربعين، لقيت ممر طويل مفروش ب سجاد إيراني غالي، وفي آخره مكتب ضخم مكتوب عليه “رئيس مجلس الإدارة”. وقبل ما أوصل للمكتب، لقيت الست شيرين صبري واقفة ب وشها الأصفر، ولابسة فستان ضيق ومبتسمة ابتسامة كلها غل.
— أهلاً يا مدام كريمة… نورتي الشركة. بس افتكري إن مكانك مش هنا، إنتي مكانك في الطرقة بتاعة المستشفيات الحكومية ب تدوري على تمن دواء.
وقفت قدامها، وبصيت لها من فوق لتحت ب سخرية، وطلعت التليفون من شنطتي ووريتها الرسالة بتاعتها وقلت لها ب صوت واطي ومرعب:
— العربية الـ 8 مليون جنيه دي يا شيرين… ه تتباع قريب أوي في المزاد العلني عشان تسددي ديونك. إنتي مجرد حتة سكرتيرة، وعمر اللي انتي فرحانة بيه ده… أنا اللي عملته، ومن غيري هو ولا حاجة في الشركة دي. وسعي من قدامي.
زقيتها ب إيدي ب قوة لدرجة إن كعب جزمتها التوى وكانت ه تقع. فتحت باب المكتب الضخم ودخلت.
عمر كان قاعد ورا مكتب من الخشب الأبنوس، لابس بدلة سودا فخمة جداً، أول ما شافني، ملامح الـصدمة والخوف ظهرت على وشه لأول مرة في حياته. وقف من على كرسيه وقال ب تـلعثم:
— كريمة؟! إنتي… إنتي إيه اللي جابك هنا؟ وعارفة المكان ده منين؟
قربت من المكتب ب خطوات بطيئة وثابتة، وحطيت شنطتي ب قوة على المكتب، وطلعت التقرير الطبي بتاع المستشفى الاستثماري، وحطيته قدامه.
— جيت أقولك إن اللبن الدافئ بتاع كل ليلة كان طعمه مر أوي يا عمر بيه… وجيت أقولك إن ابنك مش ه يموت، بس علاجه بـ ١٠ تلاف جنيه في الليلة، وأنا جيت أخد الشيك بتاع المصاريف من فلوس جدي اللي إنتي لسه ممضتش على ورق ورثها.
عمر وشه بقى أبيض زي الورقة، وبص للتقرير وبصلي وقال ب صوت ب تـرعش بيحاول يداريه ب العصبية:
— إنتي ب تخرفي ب إيه؟ إنتي اتجننتي؟ مين اللي قالك الكلام ده؟
ضحكت ضحكة عالية مليانة وجع وسخرية:
— دكتور حاتم… عيادته في المهندسين، الباب الموارب ب يسرب الصوت أوي يا عمر. سمعت كل كلمة. سمعت غلك، وسمعت قذارتك وإنتي ب تموت ابني ب السّم عشان تذلني وأركع تحت رجليك.
عمر حاول يقرب مني ويمسك إيدي ب حنية مزيفة تاني وقال:
— كريمة… اسمعيني بس، الموضوع مش كده، أنا كنت ب حميكي… الوصية كانت…
قاطعتة ب صرخة قوية هزت المكتب:
— م تلمسنيش! إيدك دي لو لمستني ه قطعها! إنت خلاص اتكشفت يا عمر. التمثيلية اللي قعدت ٦ سنين عايشها خلصت. الـ 7 آلاف جنيه بتوع الموظف الغلبان بح خلاص. ودلوقتي… إحنا ب نتكلم بزنس.
قعدت على الكرسي الفخم اللي قدام مكتبه، وحطيت رجل على رجل، وبصيت له ب تحدي:
— وصية جدي رسلان بتقول إنك مش ه تملك سهم واحد في المجموعة دي إلا لو كنت متجوزني، وبشرط إن الجواز يستمر، وإن لو حصل طلاق ب سببك أو لو أنا اللي طلبت الطلاق لضرر، نص أسهم المجموعة ب تتنقل ل اسمی أنا… حفيدة كامل الهواري علطول. أنا قريت ملخص الوصية من على اللاب توب بتاعك زمان وأنا فاكراه ملف شغل عادي، بس دلوقتي كل المكعبات ركبت في بعضها.
عمر بلع ريقه ب صعوبة وقعد على كرسيه، وعينه ب تلف في المكان كأنه ب يدور على مخرج:
— وعايزة إيه يا كريمة؟
— عايزة شيك بـ ٢ مليون جنيه حالا، تحت حساب علاج ابني ومصاريفي. وعايزة شيرين صبري تترمي برة الشركة دي ب الكلبوش بتهمة التزوير والاختلاس، لإني متأكدة إن واحدة زي دي مش ه تقعد في فيلا ب الملايين من مرتب سكرتيرة إلا لو كانت ب تسرق معاك من ورا مجلس الإدارة… ولو م عملتش كده…
طلعت تليفوني الصغير وفتحت تسجيل صوتي… صوت عمر وهو ب يقول ل دكتور حاتم: *”أول سنتين جواز كنت بتخليني أكتبلك على حبوب منع حمل قوية وهرمونية من غير ما هي تعرف… وأنا عارف إنها السبب في اللي هي فيه”*.
بصيت لعمر اللي كان ب يتنفس ب صعوبة وكأنه ب يموت، وقلت له:
— التسجيل ده مع التقرير الطبي ده… ه يروحوا للنائب العام بكرة الصبح ب تهمة الشروع في ق*تل جنين وتسميم زوجة و خيانة الأمانة. تفتكري مجلس الإدارة ه يسيبك رئيس مجموعة رسلان وأنت متساق في قضية شروع في ق*تل؟
في اللحظة دي، الباب اتفتح فجأة، ودخل راجل عجوز ب وقار شديد، وماسك في إيده عصاية ب مقبض دهب… ده كان **المهندس عاصم رسلان**… عم عمر، والعضو المنتدب للمجموعة، واللي كان دايماً في صف الحق.
بص لعمر ب غضب أعمى وقال:
— أنا سمعت كل حاجة من ورا الباب يا ابن أخويا… ويا خسارة تربيتي فيك.
التفت ليا وبصلي ب احترام شديد وقال:
— مدام كريمة… حفيدة الغالي كامل الهواري. حقك فوق راسنا، والشركة دي نصها بتاعك من اللحظة دي ب حكم الوصية والقانون… وعمر مش بس ه يمضي على الشيك، عمر من اللحظة دي معزول من منصبه!
بصيت لعمر اللي كان ب يبصلي ب نظرة رعب، وعرفت إن الرحلة لسه ب تبدأ… وإن حقي مش هسيبه لو فيها موتي.

