6 سنين بقلم مني السيد 3

الأوضة اتقلبت في ثانية. التليفون وقع من إيدي على السرير، وجسمي كله كان بـ يترعش زي اللي جايلها حمى. النفس اللي كنت باخده بـ مرار ضاع تاني، ومسكت في بطني وأنا بـصوت من الوجع.
— كريمة! فيه إيه؟ عمر قالك إيه؟
مها جرت عليا وهي مبرقة، والبشمهندس عاصم قام وقف وهو بـ يخبط بـ عصايته في الأرض بـ قلق.
الدكتورة ماجدة كانت لسه خارجة، بس على صرختي دخلت تجري ومعاها الممرضة، وبدأت تـعلقلي مهدئ في المحلول وهي بـ تزعق:
— أنا مش قولت الضغط ميعلاش؟ البنت بـ تضيع مننا يا جماعة! برة.. كله برة الأوضة حالا!
أنا مكنتش سامعة حد. صوت عمر كان بـ يرن في ودني زي الفحيح… *”حاتم غيّر ورق وزارة الصحة… ق*ضية تلفيق ومرض نفسي… هتولدي في سجن القناطر!”* الشياطين دول م بـ يناموش؟ إزاي بـ السرعة دي قدروا يقلبوا الترابيزة ويحولوا التقرير الطبي لـ حبل مشنقة حوالين رقبتي؟
بعد نص ساعة، المهدئ بدأ يشتغل، وجسمي هدي شوية بس عقلي كان بـ يغلي. عاصم ومها دخلوا تاني ووشوشهم تخوف. بصيت لـ البشمهندس عاصم والدموع في عيني:
— عمر قفل اللعبة يا بشمهندس… دكتور حاتم باع ضميره بـ الكامل وغيّر التقارير في الوزارة، وعمر بـ يهددني بـ الحبس بكرة بـ تهمة البلاغ الكاذب والتلفيق لو مـ تنازلتش عن الأسهم.
عاصم رسلان ملامحه اتمطت بـ غضب مرعب، وعروق إيده ظهرت وهو ضاغط على المقبض الدهب بتاع عصايته:
— حاتم؟ الكلب ده طول عمره عينه فارغة وبـ يسيل لعابه قدام القرش. بس عمر غبي… فاكر إن وزارة الصحة سايبة، أو إن دفتري مـفهوش ورق يـدبحهم هما الاتنين!
المستشار مجد الدين الشاذلي دخل الأوضة في اللحظة دي، وكان وشه جاد جداً، باين إنه عرف بـ الملعوبة. قعد على الكرسي وبصلي بـ نظرة كلها ثقة:
— مدام كريمة… اِهدّي خالص ومتخافيش من كلب بـ يـعض وهو بـ يـموت. عمر في الوقت الضايع، والحركة اللي عملها مع حاتم دي هي اللي هـ تـوديهم في ستين داهية بـ القانون.
— إزاي يا سيادة المستشار؟ ده بـ يقولي بكرة الصبح المباحث هـ تـيجي تاخدني من المستشفى بـ الكلبوش!
قلت له بـ رعب حقيقي على ابني.
المستشار مجد الدين ابتسم وفتح لابتوب مها اللي كان على الترابيزة:
— عمر فاكر إن دكتور حاتم لما يسافر برة مصر بـ فلوسه يبقى هرب. هو مـ يعرفش إن دكتور حاتم تحت المراقبة من يومين بـ أمر من النيابة العامة بـ سبب بلاغ قديم بـ التزوير في تقارير طبية لحالات تانية كنت أنا بـ جهزه من فترة! حاتم مـ لحقش يسافر… اتـقبض عليه في مطار القاهرة من ساعتين بـ الضبط وهو بـ يـنهي إجراءات سفره لـ دبي، ومعاه شنطة فيها 200 ألف دولار كاش!
نص جسمي فاق من الصدمة:
— اتـقبض عليه؟!
مجد الدين هز راسه بـ انتصار:
— أيوة يا فندم… وحالياً حاتم بـ يتـحقق معاه في نيابة الأموال العامة. الراجل ده جبان، وأول ما شاف الكلبوش والـ 200 ألف دولار حرز معاه، اعترف على طول… اعترف إن عمر رسلان هو اللي أداله الفلوس دي تمن تزوير التقرير الجديد اللي كان بـ يـحاول يـحطه في السيستم عشان يـلبسك الق/ضية! يعني التقرير المزور اللي عمر كان بـ يهددك بيه، بـقى هو الدليل الإدانة الأكبر على عمر بـ تهمة الـتزوير والـرشوة وبلاغ كاذب وشروع في ق/تل!
## الـرقصة الـأخيرة لـ لـثـعـبـان
الارتياح اللي حسيت بيه مكنش له مثيل، بس جوايا كنت عارفة إن عمر وشيرين مش هـ يـسلموا بـ السهولة دي. هما زي القطط بـ سبع تـرواح، وطالما لسه برة السجن بـ كفالة، ممكن يعملوا أي مصيبة.
البشمهندس عاصم بص في ساعته وقال:
— عمر تليفونه مقفول من ساعة ما كلمك يا كريمة. شيرين صبري اختفت من بيتها في زايد من العصر، واللودر اللي كان في طنطا اِتحفظ عليه والرجالة في الحجز. عمر وشيرين حالياً مـعاهمش غير حل واحد… الـهروب بـ برة البلد بـ طريقة غير شرعية، أو إنهم يـحاولوا يـعملوا حركة انتحارية يـخسّرونا فيها كل حاجة.
مها وقفت بـ قلق:
— أونكل عاصم… تفتكر عمر ممكن يـيجي هنا المستشفى؟
عاصم رد بـ حسم:
— المستشفى هنا تـحت حراسة أمن الشركة من الصبح، ومحدش يـقدر يدخل الدور ده من غير إذن. بس إحنا لازم نـسبقهم بـ خطوة.
التفت لـ المستشار مجد الدين وقال:
— أستاذ مجد… اِطلع على النيابة حالا بـ إقرار اعتراف دكتور حاتم، وعايز أمر ضبط وإحضار لـ عمر رسلان وشيرين صبري بـ تهمة الجناية الجديدة والجواز السفر المزور لو معاهم. مش عايز الشمس تـطلع بكرة وعمر برة السجن.
## فخ في المعادي
المستشار خرج، وعاصم ومها قعدوا معايا لحد الساعة ٢ بعد نص الليل. الأوضة كانت هادية، بس الهدوء ده كان بـ يـخوف. فجأة، تليفون مها رن. بصت في الشاشة ووشها اِتخطف:
— ده.. ده بواب العمارة بتاعة شقة المعادي.. شقتك انتي وعمر يا كريمة!
فتحت السبيكر، وجاء صوت البواب بـ يوشوش وهو مرعوب:
— يا مها هانم… عمر بيه هنا في الشقة بقاله ساعة، ومعاه الست شيرين. هما بـ يـكسروا في البيت وبـ يـلموا ورق وحاجات، والست شيرين بـ تـزعق وبـ تـقول “لازم نـحرق كل حاجة قبل ما نـمشي”. أنا خايف أدخل والـبوليس مـش بـ يـرد عليا!
قلبي دق بـ جنون. الشقة دي… شقة الإيجار اللي عشنا فيها ٦ سنين. الشقة اللي كنت بـ مسحها بـ إيدي وبـ فرتك القرش عشان أفرشها حتة حتة. الشقة دي فيها “الدولاب السحري” بتاع عمر… صندوق حديد صغير كان دايماً بـ يقفله بـ قفل إلكتروني وبـ يقولي ده فيه “ورق عهدة الشركة الغلبان”. الصندوق ده أكيد فيه كل بلاويه!
مسكت إيد البشمهندس عاصم وقلت بـ صوت قاطع:
— عاصم بيه… الصندوق الحديد اللي في أوضة النوم! الصندوق ده فيه ورق صفقات عمر وشيرين المشبوهة تـحت التربيزة، وورق حسابات سويسرا اللي كان بـ يـهرب فيها فلوس الشركة طول السنين اللي فاتت! شيرين رايحة تاخد الصندوق ده أو تـحرقه عشان تـنهي الأدلة!
عاصم رسلان وقف بـ قوة وعينه بـ تـطلع شرار:
— مش هـ يـلحقوا. مها… اِفضلي مع كريمة هنا ومـ تـتحركيش. أنا هـ أخد أمن الشركة وكلمة لـ لواء في الداخلية صديقي، وهـ نـطلع على المعادي حالا.
## الـمواجهة في بيت الـعمر
عاصم خرج، وأنا قعدت في السرير بـ بكي. بـ بكي على الـ ٦ سنين اللي ضاعوا من عمري مع راجل كان بـ يـخطط لـ دماري من أول يوم دخل فيه حياتي. الـ شقة اللي شهدت تعبي، وشقايا، ومذاكرتي لـ دروس العيال في المدرسة عشان أوفر تمن كيلو لحمة لـ آخر الأسبوع… بـقت هي الـوكر اللي بـ يـتـقفل فيه فصل خيانته.
الساعة بقت ٤ الفجر. التليفون رن تاني مع مها. كان البشمهندس عاصم، بس صوته كان فيه نبرة غريبة… نبرة صدمة وخوف:
— مها… اِسمعيني كويس وخليكي قوية… ومتـقوليش لـ كريمة حاجة دلوقتي.
أنا سمعت الكلمة، خطفت التليفون من إيد مها وزعقت بـ لـهفة:
— بشمهندس عاصم! أنا سامعة كل حاجة! فيه إيه؟ عمر وشيرين جرى لهم إيه؟ الصندوق حرقوه؟
عاصم اتنهد تنهيدة طويلة وقال بـ صوت مبحوح:
— إحنا وصلنا الشقة مع الشرطة يا كريمة… وعمر وشيرين كانوا فعلاً بـ يـلموا الصندوق والـفلوس الكاش اللي كانت مستخبية في الحيطة ورا الدولاب. لما شافوا البوليس بـ يـكسر الباب… عمر اِتجنن، مسك مسدس كان معاه وحاول يـهرب من منور العمارة وهو ماسك الشنطة… شيرين حاولت تـمنعه عشان تاخد الشنطة وتـهرب هي تـسيبه… اِتخانقوا على السلم… وفجأة…
نفسي وقف:
— وفجأة إيه يا بشمهندس؟! اِنطق بـ الله عليك!
— السلم الـقديم بتاع المنور مكانش مـتـقفل كويس بـ سور حديد… هما الاتنين وقعوا من الدور الرابع لـ تـحت يا كريمة… شيرين ماتت في مكانها… وعمر حالياً بـ يـموت وفي حالة حرجة جداً بـين الحيا والموت في مستشفى القصر العيني تـحت الحراسة! والشنطة بـ الورق والصندوق الحديد تـحت إيد النيابة دلوقتي!
التليفون سقط من إيدي تاني… بس المرة دي مكنتش حاسة بـ رعب… كنت حاسة بـ “عدالة السماء”. الـظلم اللي قعد ٦ سنين بـ يـتبني في الضلمة، اِتهد في ثانية واحدة من الدور الرابع على أرض الشارع اللي شهد قهرتي. عمر وشيرين… الاتنين اللي اِتـفقوا على تسميمي وموت ابني وسرقة ورث جدي… اِتـصفوا بـ إيد بعض بـ سبب الطمع والـغل اللي في قلوبهم!
## الـفصل الـأخير بـ يـقـترب
تاني يوم الصبح… شمس القاهرة طلعت، بس كانت شمس دافية ونضيفة، كأنها بـ تـغسل شوارع المدينة من قذارة عيلة رسلان اللي ماتت.
الدكتورة ماجدة دخلت الأوضة بـ ابتسامة وسيعة ومعاها الـسونار:
— مبروك يا مدام كريمة… آثار المادة الهرمونية السمية اختفت تماماً من دمك بـ فضل المحاليل الجديدة، والـجنين وضعه بقى ممتاز، وم بـقاش فيه خطر على حياته خلاص… ابنك بـطل وعاش رغم كل اللي حصل.
حطيت إيدي على بطني، والدموع نزلت بـ فرحة حقيقية لأول مرة. ابننا عاش… هـ يـطلع للدنيا واسمه هـ يـبقى “كامل” على اسم جدي اللي حماني وحماه وهو تـحت التراب.
البشمهندس عاصم دخل الأوضة، ولأول مرة أشوفه بـ يـبتسم بـ ارتياح كامل. قعد على الكرسي وبصلي وقال:
— المستشار مجد الدين فتح الصندوق الحديد بـ أمر النيابة الصبح يا كريمة… الصندوق مكنش فيه ورق سرقة وبس… الصندوق كان فيه “عقد التنازل الأصلي” اللي عمر أجبر أبو شيرين يمضي عليه زمان بـ ملكية كل أراضي الهواري في طنطا والإسكندرية! يعني الإمبراطورية دي كلها… نصها الـحقيقي والشرعي مـطلعش بـ حكم الوصية وبس… ده بـ حكم العقود الأصلية ملكك إنتي بـ الكامل بـ اسم عيلتك!
بصيت لـ عاصم بـ دهشة:
— يعني أنا بقيت مالكة الشركة بـ الكامل يا بشمهندس؟
مها جرت عليا وحضنتني:
— أيوة يا رئيسة مجلس الإدارة… وبكرة الصبح فيه اجتماع نهائي لـ تنصيبك بـ شكل رسمي وإعلان الميزانية الجديدة اللي هـ تـتـوجه كلها لـ مشاريع خيرية بـ اسم جَدك كامل الهواري زي ما كان بـ يـتمنى.
كل حاجة بدأت تـترتب… كل الوجع، والتعب، وعدّ الجنيه لآخر الشهر، والجاكيت الدبلان والمترو… كل ده بـقى مجرد ذكريات قديمة بـ تـفكرني بـ أصلي وبـ قوتي.
بس فجأة… والـبشمهندس عاصم بـ يـقفل ملفاته عشان يـمشي، ممرض من الطوارئ دخل الأوضة بـ يـنهج وبص لـ البشمهندس عاصم وقال بـ صوت واطي:
— عاصم بيه… عمر رسلان فاق في القصر العيني… وبـ يـموت… الـدكاترة بـ تـقول قدامه ساعات مـعدودة… وهو بـ يـصرخ وبـ يـقول مش هـ يـموت إلا لما يـشوف كريمة ويـقولها على الـسر الـأخير… الـسر اللي هـ يـقلب حياتها كلها تاني!
عيني بـقت في عين عاصم… ومها شهقت بـ صدمة…
سر أخير؟ عمر لسه عنده أسرار وهو بـ يـفارق الحياة؟
بصيت لـ الدكتورة ماجدة وقلت لها بـ حسم:
— جهزيلي الكرسي الـمتحرك يا دكتورة… أنا رايحة القصر العيني… لازم أشوف الثعبان وهو بـ يـلفظ أنفاسه الـأخيرة وأعرف إيه هو السهم الـأخير اللي بـ يحاول يـصوبه لـ قلبي وهو بـ يـموت!
الطريق من المستشفى الاستثماري لـ قصر العيني كان طويل، زحمة القاهرة وصوت الكلاكسات كان بـ يخبط في دماغي، بس جوايا كان فيه هدوء غريب. الوجع اللي عشته ٦ سنين مـ بقاش واجعني، بـ قدر ما بقيت عايزة أقفل الكتاب ده بـ إيدي. كنت قاعدة في العربية الكبيرة اللي البشمهندس عاصم بعتها، ومها ماسكة إيدي وبـ تطمني، والدكتورة ماجدة باعتة معايا ممرض بـ جهاز ضغط ومحاليل طوارئ عشان تـضمن إن ابني مـ يتعرضش لـ أي خطر تاني.
لما وصلنا القصر العيني، المستشفى كانت مقلوبة. الحراسة مشددة قدام أوضة الرعاية المركزة اللي فيها عمر بـ أوامر من النيابة. الممرات ريحتها مطهرات والـدكاترة بـ يـتحركوا بـ سرعة. البشمهندس عاصم خطى بـ عصايته الدهب وفتح السكة مع ضابط المباحث اللي واقف على الباب.
— خمس دقايق بـ الظبط يا فندم… الدكتور بـ يقول الراجل بـ يـودع، والأجهزة بـ تـصفر.
الضابط قالها وهو بـ يـبصلي بـ نظرة فيها شفقة واحترام.
دخلت بـ الكرسي المتحرك… الأوضة كانت ضلمة، مـفيهاش غير النور الأزرق الشاحب بتاع أجهزة رسم القلب والتنفس الصناعي. عمر كان راقد على السرير، بس مكنش عمر رسلان رئيس مجلس الإدارة ولا عمر جوزي الموظف الغلبان… كان حتة لحمة متبهدلة، وشكله ضامر، والـجبس والـشاش مغطيين نص جسمه ورقبته بـ سبب الوقعة من الدور الرابع. وشيرين… شيرين خلاص اِتدفنت الصبح في مدافن الصدقة بـ معرفة أهلها اللي تبروا منها بعد الفضيحة.
أول ما الأجهزة صفرت بـ حركة سريعة، عمر فتح عينيه بـ عافية. عينه كانت حمرا ودبلانة، بس لما شافني داخلة بـ فستاني الأسود وراسي المرفوعة، لمحة الشر والغل القديمة ظهرت في نفوخه لآخر مرة، وحاول يـتكلم من تحت ماسك الأكسجين بـ صوت مخنوق وطالع بـ الفتيل:
— كـ… كريمة… جيتي؟ جيتي تـشوفي كسر الـعين لـ آخر مرة؟
شاورت للممرض يـبعد شوية، وقربت بـ الكرسي لحد ما بقيت على بعد شبر من سريره. بصيت له بـ برود ونظرة خالية من أي شماتة أو صعبانيات:
— جيت أشوف عدالة ربنا بـ تـتنفذ يا عمر. جيت أسمع السر الأخير اللي انت بـ تـفرفر عشان تقوله… اِنطق يا عمر، وخلص نفسك لعل وعسى ربنا يـخفف عنك اللي انت داخله.
عمر بدأ يـكح، والـمؤشر بتاع ضربات القلب بدأ يـلعب بـ جنون. طلع ضحكة مخنوقة أشبه بـ فحيح الأفاعي اللي بـ تـموت:
— ربنا؟ إنتي لسه بـ تـتكلمي عن ربنا؟ فاكرة نفسك كسبتي كل حاجة؟ فاكرة إن الإمبراطورية دي بـقت بتاعتك بـ ورق الوقف والوصية؟ إنتي… إنتي مغفلة وطول عمرك هـ تـفضلي مغفلة!
— اخلص يا عمر… مـ تـضيعش وقتك اللي باقي في الشتيمة. السر إيه؟
قلت له بـ نبرة قوية هزت السرير.
عمر غمض عينيه وفتحهم بـ عافية، والدموع نزلت من طرف عينه بـ سبب الوجع، وبدأ يـقول الكلمات اللي وقعت عليا زي الصاعقة:
— ابـنك… ابـنك اللي في بطنك… مـش ابـن الموظف الغلبان ولا هو وريث عيلة رسلان بـ الـدم… جَدك كامل مكنش راجل طيب يا كريمة… جَدك كامل كان عارف إن أبويا وأبو شيرين سرقوا أرضه… وعشان يـنتقم من عيلة رسلان كلها… اِتـفق مع جدي رسلان إنه يـجوزني ليكي غصب عني بـ الوصية دي… عشان يـكسر عيني وعين شيرين. بس الـسر الكبـير… إن جَدك كامل الله يرحمه… مكانش جَدك الـحقيقي بـ الـدم!
الدنيا لفت بيا تاني… الأوضة بدأت تـضيق، ونبضات قلبي تـسارعت:
— إنت بـ تقول إيه يا مجنون يا ابن رسلان؟! جدي كامل هو اللي رباني في طنطا! هو اللي شالني وأنا عيلة صغـيرة!
عمر ضحك بـ غل أكتر، والـجهاز بدأ يـصفر بـ نغمة مستمرة:
— كامل الهواري مـخلفش غير ولد واحد ومات وهو صغير… وإنتي… إنتي بـنت واحدة غلبانة لـ قاها في ملجأ في طنطا واِتبناكي وكتبك بـ اسمه في الدفاتر الـقديمة عشان يـحقق بيكي الـانتقام من عيلة رسلان ويـقفل الدائرة بـ اسمك! الـورق الأصلي بتاع التبني والـملجأ… كان في الصندوق الحديد اللي النيابة أخدته الصبح… بكرة لما الـورق ده يـتفتح… هيـكتشفوا إنك مـش “حفيدة كامل الهواري” بـ الـدم والـقانون… وبـ الكود ده… الوصية هـ تـبطل… والـشركاء الأجانب هـ يـطردوا المدرسة الغلبانة برة البرج… وهـ تـرجعي لـ المترو… والـجاكيت الـدبلان… مـش هـ تـورثي مليم واحد… يا… يا بـنت الملجأ!
الـجهاز صفر صفرة طويلة ومستمرة… الـمؤشر على الشاشة بـقى خط مستقيم… عمر عينه فضلت مفتوحة ومبرقة في السقف بـ نظرة الـغل الأخيرة… وروح الشيطان فارقت جسمه المتبهدل لـ الـأبد.
## صدمة الـأصل… ونور الـحق
خرجت من الأوضة وأنا مش شايفة قدامي. كلام عمر كان بـ يـلف في دماغي زي الـشاكوش بـ يـهد كل اللي بـنيته. أنا مش حفيدة كامل الهواري؟ أنا بنت ملجأ؟ السنين دي كلها، الطيبة والحنية والصعيد والأصل… كل ده كان تمثيلية وانتقام؟
مها وعاصم جرو عليا أول ما شافوا وشي الأبيض زي الـورقة. الممرض قاس ضغطي ولقاه واصل لـ السماء. الدكتورة ماجدة زعقت:
— خدوها على المستشفى الاستثماري حالا! البنت هـ تـسقط!
طول الطريق وأنا ساكتة، مـ نزلتش دمعة واحدة. الصدمة كانت أكبر من الـدموع. لما رجعت الأوضة ونيموني على السرير وعلقوا المحاليل، البشمهندس عاصم قعد جنبي وبصلي بـ نظرة كلها أبّوة:
— كريمة… يا بنتي… أنا سمعت اللي عمر قاله ليكي قبل ما يـموت… المستشار مجد الدين فحص الصندوق الحديد والـورق بـ أوامر من النيابة قبل ما نـيجي هنا بـ ساعة.
رفعت عيني لـ عاصم وأنا بـ تـرعش:
— بـ التعبير ده يا بشمهندس؟ عمر كان بـ يـقول الحقيقة؟ أنا بـنت ملجأ ومـليش حق في أي حاجة؟
عاصم رسلان مسك إيدي بـ قوة، وعينه دمعت لأول مرة:
— عمر كان بـ يقول نص الحقيقة بـ الـغل بتاعه، بس النص التاني بـ يـثبت إنك أنضف وأشرف واحدة في العيلة دي كلها. جَدك كامل فعلاً اِتبناكي وإنتي عندك سنتين بعد ما أهلك الحقيقيين ماتوا في حادثة قطار في طنطا، وكانوا ناس طيبين وعلى قد حالهم ومن فرع بعيد جداً من عيلة الهواري برضه بس مـتسجلين في الـملجأ تـحت رعاية الجمعية الشرعية. كامل الله يرحمه حبك أكتر من روحه، ولما كتب الـوقف الخيري كتبه لـ اسمك إنتي بـ الـتحديد “كريمة كامل الهواري” بـ عقد اِعتماد رسمي مـ وثق ومـش تـحت بند الـميراث الشرعي… يعني بـ القانون المصري… الوقف ده بتاعك بـ اسمك وصفتك اللي جَدك اِختارها ليكي، والوصية بتاعت جدي رسلان كانت واضحة: “لـ البنت التي تـربت في بيت كامل الهواري وتحمل اسمه بـ الأوراق الرسمية”… يعني مـفيهاش تـلاعب بـ الـدم أو الـنسب!
المستشار مجد الدين دخل الأوضة وهو مبتسم ومطلع شهادة من الشهر العقاري القديم:
— البشمهندس عاصم معاه حق يا مدام كريمة. جَدك كامل كان عارف إن الطمع هـ يـعمي عيلة رسلان، وعشان كده قفل كل الثغرات بـ القانون. إنتي مالكة الـ ٣٥٪ بـ حكم الإرادة والـوقف، ومحدش في الكون يـقدر يـهز شعرة من راسك أو يـشكك في أهليتك. إنتي رئيسة مجلس الإدارة الشرعية بـ الأوراق الموثقة من ٢٤ سنة!
## بداية جديدة… بـدون أقنعة
عدى شهر كامل على الليلة دي. شهر قضيته في المستشفى لحد ما ربنا تم شفائي على خير. الوجع راح، والـضغط استقر، والـجنين بقى بـ يـكبر في بطني بـ سلام ونور.
في الشهر ده، البشمهندس عاصم ومها كانوا معايا خطوة بـ خطوة. الشغل في مجموعة رسلان المعمارية بدأ يـتـصلح، والـسهم رفع تاني بعد ما أعلنا في مؤتمر صحفي كبير إن الشركة بـقت تـحت إدارة جديدة ونضيفة، وإن عهد عمر وشيرين والـتزوير اِتقفل بـ الكامل وبـ الأوراق القانونية.
النهاردة الصبح… كان أول يوم ليا أنزل فيه طنطا بعد كل اللي حصل. ركبت العربية الكبيرة ومعايا مها. لما وصلنا قدام بيت جدي القديم… لقيت السور اللي اللودر هده اِتـبنى تاني، بس اِتـبنى بـ شكل أحسن، بـ الطوب الأحمر والـورد والـشجر الأخضر. البيت اتـرمم وبقى بـ يـلمع تحت شمس طنطا الدافية.
وقفت قدام باب البيت، وحطيت إيدي على بطني وبصيت لـ السماء وقلت بـ صوت مسموع:
— الله يرحمك يا جدي كامل… إنت مكنتش جدي بـ الـدم، بس كنت أبويا وجدي وسندي اللي حماني وأنا عيلة صغـيرة وأنا كبيرة… وريتك ومـحبتك هـ تـفضل عايشة جوايا وفي ابني اللي جاي.
التفت لـ مها وقلت لها بـ ابتسامة وسيعة:
— البيت ده يا مها… أنا هـ أفتحه من بكرة الصبح لـ صالح “مؤسسة كامل الهواري لـ رعاية الأطفال الأيتام”… الفلوس والملايين اللي أخدتها من مجموعة رسلان، نصها هـ يـروح هنا… عشان أي عيلة صغـيرة غلبانة تـلاقي السند والأصل والحماية اللي جدي كامل اِداهالي زمان.
مها حضنتني وهي بـ تعيط من الفرحة:
— إنتي عظيمة يا كريمة… وعيلة رسلان بـ الـتعبير ده بـقت بـ تـتشرف بيكي.
## الـقصر… والـكرسي الـجديد
تاني أسبوع… الساعة ١١ الصبح… باب قاعة الاجتماعات في الدور الأربعين بـ برج رسلان المعماري اتفتح. الموظفين والشركاء الأجانب والمصريين كانوا واقفين في صفين على الممر الزجاجي بـ يـصقفوا بـ انبهار واحترام ملوش مثيل.
دخلت بـ خطوات ثابتة وقوية، مكنتش على كرسي متحرك المرة دي… كنت ماشية على رجليا بـ فستان حمل شيك باللون الكحلي ورافعة راسي فوق السماء. قعدت على الكرسي الضخم اللي في رأس التربيزة… الكرسي اللي كان قاعد عليه عمر بـ الغش والخداع.
مسكت القلم الدهبي بـ إيدي… بس المرة دي مكنتش بـ إيد بـ تـترعش من الخوف ولا بـ تـدبّر تمن كيلو لحمة لآخر الشهر… كنت بـ أمضي على أول قرار إداري لـ تـطوير العشوائيات وبناء بيوت مجانية لـ الناس الغلبانة على نفقة المجموعة.
بصيت من الشباك الزجاجي العملاق على نيل القاهرة وبصيت لـ نفسي في الـمراية اللي في المكتب… الـبنت اللي كانت بـ تـعدّ الجنيه وبـ تركب المترو بـ جاكيت دبلان، بـقت هي الإمبراطورة اللي بـ تـحرك الملايين بـ إشارت صوابعها… بس بـ قلب نضيف، وأصل ثابت م بـ يـتهزش… وبـ طفل في بطنها هـ يـطلع للدنيا رافع راسه بـ كرامة وأصل وحق مـ يعلم بيه إلا ربنا.
الحكاية خلصت… الست سنين الـضلمة اِتمسحوا من الـدفاتر… وبدأت حياة كريمة… بـ الفعل والـاسم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *