قدام العيلة كلها... حماتي شالت الأكل من قدام بناتي وقالت السفرة المحترمة للستات اللي بيخلفوا ولاد... وجوزي طلب مني أبطل فضايح، فمسحت وش بنتي، وخدت ولادي ومشيت من غير كلمة أول حاجة عملتها حماتي... إنها شالت الأكل من قدام بناتي. عملتها بهدوء شديد... وكأنها كانت عاملة حساب لكل حركة. قدام عدد كبير من الناس... عشان الكل يشوف. العزومة كانت في فيلا كبيرة وفخمة. الجنينة متجهزة على أعلى مستوى. ترابيزات مغطاة بمفارش شيك. فرقة موسيقية بتعزف. وأكل بكل أنواعه. العيلة كلها كانت موجودة. أقارب جايين من محافظات مختلفة يباركوا لشريف بعد ما اشترى الفيلا الجديدة، والكل بيتكلم عن نجاحه الكبير وكأنه نجاح للعيلة كلها. أما أنا... فكنت قاعدة أنا وبناتي في آخر ترابيزة بعيد عن الكل. مريم عندها تمان سنين. وليلى لسه كملت خمس سنين. كانوا لسه بيأكلوا... لما فوزية جات ناحيتنا. كانت لابسة بدلة شيك، ومتزينة بشكل مبالغ فيه. وعلى وشها نفس النظرة اللي طول عمرها بتبصهالي... نظرة واحدة شايفة نفسها أعلى من كل اللي حواليها. من غير حتى ما تستأذن... شالت طبق مريم. وبعدين شالت طبق ليلى. وادتهم للجرسون اللي كان معدي. مريم بصتلها باستغراب وقالت يا تيتا... أنا مخلصتش أكلي. فوزية ضحكت ضحكة باردة وقالت يا حبيبتي... الأكل الحلو للسفرة الكبيرة. يمكن لما مامتك تعرف تجيب ولد... يبقى ليكم مكان هناك. اللي كانوا قاعدين قريب سمعوا كلامها. واحدة من القرايب وطت راسها. وواحدة تانية عملت نفسها بتبص في موبايلها. لكن... ولا حد اتكلم. ولا حد اعترض. بعدها فوزية حطت قدامنا علبة بلاستيك قديمة. كان فيها بواقي أكل. حتت عيش. شوية خضار بايت. ورز متكلكع. وصوص متجمع في آخر العلبة. واضح إنها بواقي اتشالت بعد ما الناس خلصت أكل. قالت وهي بتزقها ناحيتنا اتفضلوا... ده يكفيكم. أول ما زقتها... شوية صوص وقعوا على فستان ليلى الأزرق. ونقطة كبيرة نزلت على خد مريم. لثواني... ولا واحدة من البنتين اتحركت. مريم رفعت عينيها وبصت ناحية الترابيزة الكبيرة اللي كان قاعد عليها أبوها. شريف كان قاعد في النص، وسط إخواته وقرايبه وشوية من زمايله في الشغل. أنا كنت عارفة هي مستنية إيه. كانت مستنية أبوها يقوم. كانت مستنية يقول لأمه إنها غلطت. كانت مستنية حد يدافع عنها. لكن... شريف رفع كوباية العصير بتاعته، وبص ناحيتنا وقال بصوت عالي يا منى... متعمليش مشكلة. ماما عارفة الأصول في المناسبات دي. خليني أفرح يوم واحد من غير ۏجع دماغ. ساعتها... المكان اللي حوالينا كله سكت. طلعت منديل من على الترابيزة. ومسحت الصوص من على خد مريم. وبعدين نضفت فستان ليلى على قد ما قدرت. بقالي متجوزة شريف حداشر سنة. وطول السنين دي... عيلته كلها فاكرة إني بشتغل موظفة بسيطة في مكتب عقارات. فوزية كانت دايمًا تقول عني دى عايشة على حساب ابني. وأخته الكبيرة مرة قالت قدام العيلة كلها المفروض تشكر ربنا إن شريف مستحملها وهي معندهاش أي طموح. وفي كل عيد... كانوا يجيبولي أدوات تنظيف على سبيل الهزار. بينما باقي الستات كانوا بياخدوا دهب وهدايا غالية. ولا واحد فيهم... كان يعرف الحقيقة. ولا حتى شريف نفسه. أنا كنت صاحبة ومؤسسة شركة استشارات واستثمار عقاري من أكبر الشركات الخاصة في المجال. شركتي كانت بتدير صفقات بمئات الملايين. وبنتفاوض على شراء أراضٍ. وبنخطط لمشروعات استثمارية. وكان لينا شغل في أكتر من محافظة. سنين وأنا مخبية حجم شغلي. في الأول كنت بقول لنفسي... إني بحافظ على جوازي. لكن الحقيقة... إني كنت بحافظ على كرامة شريف. كان شغال مدير مبيعات في شركة خاصة. مرتبه كويس... لكن كل المظاهر اللي كان عايش بيها... كانت بالدين. العربية الفخمة. البدل الغالية. اشتراك النادي. العزومات. والساعة اللي كان بيفتخر إنها مستوردة. كلها كانت بالتقسيط أو بالقروض. وفي البيت... كان يديني مبلغ محدد للمصاريف كل شهر. ولو زاد جنيه واحد... يفضل يحاسبني على كل فاتورة وكأنني أنا اللي بصرف من جيبه. من سنين... مرة قلت لشريف إني أخدت عمولة كبيرة من شغلانة. وقتها اتعصب بطريقة خوفتني. وساعتها فهمت حاجة كان المفروض أفهمها من بدري. هو عمره ما كان عايز زوجة ناجحة. هو كان عايز زوجة موقع أيام نيوز تخليه هو يبان أكبر. من يومها... بطلت أحكيله أي حاجة عن شغلي. أمي هي اللي ساعدتني أبدأ أول استثماراتي. وشركتي من أول يوم كانت منفصلة تمامًا عن حياتي الزوجية. كنت حريصة إن كل حاجة تبقى باسمي وبعيدة عن أي حقوق مشتركة. وكنت متعمدة أخلي الناس كلها فاكرة إني مجرد موظفة بسيطة في مكتب عقارات. حتى في بيتي... كنت بصغر نفسي. وأمثل دور الزوجة العادية. فاكرة إن كده هحافظ على الهدوء. لكن... السكوت عمره ما خلّى فوزية تتغير. بالعكس... كل مرة كنت بسكت فيها... كانت بتتمادى أكتر. قبل الحفلة بثلاث أسابيع... أخدت مريم وليلى في عز الحر يوزعوا إعلانات لمحل واحد من ولاد قرايب شريف. ولما اعترضت... قالتلي بكل برود البنات اللي مش هيشيلوا اسم العيلة... لازم يتعلموا يبقوا ليهم فايدة. الكلام ده فضل بيرن في وداني. وبالليل... وأنا بسرح شعر مريم قبل النوم... بصتلي في المراية وقالت ماما... هو تيتا شايفة إن إحنا قيمتنا أقل عشان إحنا بنات؟ وقتها... بصيت في عينيها. وحسيت إن سكوتي مبقاش بيحميني. ولا بيحمي بيتي. ده بقى بيعلم بناتي يقبلوا الإهانة. ومن يومها... قررت أبطل أنقذ حد. ولما شريف أعلن قدام الناس إنه اشترى الفيلا الجديدة بمبلغ خرافي... أنا كنت عارفة الحقيقة. هو عمره ما اشتراها. كان مأجرها لمدة ست شهور بس. وكان مديون أكتر ما أي حد يتخيل. لكن كان لازم يعمل حفلة ضخمة... عشان يقنع عيلته إنه بقى الراجل الثري اللي طول عمره بيمثل إنه هو. قبلها بشهر... طلب مني أكلمه مع أهلي عشان يدوله قرض مؤقت. قولتله ممكن... بس لازم تمضي على وصل أمانة بالمبلغ. وافق فورًا. ومقراش غير أول صفحة. وكان بيبتسم وهو بيمضي. وقال بثقة أهلك المفروض يشكروا ربنا إنهم أخيرًا هيستثمروا فلوسهم مع واحد بيعرف يكسب بجد. لكن... ولا جنيه واحد دخل حسابه. أما وصل الأمانة... فكان مكتوب بكل التفاصيل. وممضي بإيده... وبالصيغة القانونية اللي محاميه بنفسه هو اللي راجعها واعتمدها. في نفس الفترة... ومن خلال شخص أعرفه في شغلي... شريف ميعرفش عنه أي حاجة... ساعدته يجيب شركة تنظيم الحفلة وشركة الأكل اللي كان مُصر يتعامل معاها. العقد كان واضح جدًا. آخر دفعة تتسدد يوم الحفلة. وشريف هو الضامن الشخصي للمبلغ بالكامل. وهو... مضى على العقد بنفسه. عشان كده... لما فوزية زقت بواقي الأكل لبناتي. ولما شريف قال قدام الناس متعمليش مشكلة. أنا... متكلمتش. قومت بهدوء. شلت ليلى بين إيديا. ومسكت إيد مريم. وبصيت لشريف وفوزية. وقلت بهدوء يخوف أكتر من أي صړيخ استمتعوا بالفيلا... واستمتعوا بالعزومة... واستمتعوا بكل حاجة تعبتوا عشان تقنعوا الناس إنها حقيقية. شريف عقد حواجبه وهو باصصلي من آخر الجنينة. أما فوزية... فوقفت مكتوفة الإيدين، وعلى وشها نفس ابتسامة الشماتة. نزلت بمستوى بصري لبناتي. وقلت لهم بابتسامة هادية يلا يا حبايبي... إحنا ماشيين. ومن النهارده... ولا واحدة فيكم هتاكل الأكل اللي حد تاني يقرر إنها تستحقه. مسكت إيديهم... وخرجنا من بوابة الفيلا. ولا واحد فيهم... كان يعرف إن أغلى فاتورة في اليوم ده... لسه محدش قدمها. أول ما ركبنا العربية... ليلى فضلت تحاول تمسح بقعة الصوص من على فستانها. أما مريم... فكانت قاعدة جنبها. ساكتة بشكل مش طبيعي. عدينا أقل من كيلو... وفجأة مريم قالت السؤال اللي هدم آخر مبرر كنت بقنع بيه نفسي بقاله حداشر سنة. قالت بصوت هادي ماما... هو بابا مكسوف مننا؟ ركنت العربية جنب جنينة صغيرة. طفيت الموتور. ونزلت من الكرسي الأمامي. وقعدت في الكنبة الخلفية جنب بناتي. بصيتلهم واحدة واحدة. وقلت اسمعوني كويس. مفيش أي حاجة فيكم... تخلي أي أب أو أم يكسفوا منكم. ولا في شكلكم. ولا في إنكم بنات. ولا في أي حاجة تخصكم. مريم دموعها لمعت. وقالت أمال... ليه بابا متكلمش؟ سؤالها وجعني. لأن في لحظات... الأم بتبقى نفسها تخبي الحقيقة عن أولادها. وتجملها. وتقول أي كلام يهون عليهم. وأنا... عملت كده سنين. لكن خلاص. أخدت نفس عميق. وقلت بهدوء لأن باباكم اختار الاختيار الغلط. اختار يرضي الناس... بدل ما يدافع عنكم. منى أخدت نفس طويل. وقالت وهي ماسكة إيد بنتها فيه ناس بتفتكر إن الاحترام بيتقاس بالفلوس... وفيه ناس بتفتكر إن قيمة البنت أقل من الولد... لكن دول ناس عمرهم ما كانوا صح. إنتوا أغلى حاجة في حياتي. ومحدش... مهما كان... له الحق يحسسكم إنكم أقل من أي حد. ليلى حضنتها من وسطها. أما مريم... فمسحت دموعها وقالت يعني إحنا مش هنرجع هناك تاني؟ منى ابتسمت لأول مرة من ساعات. وقالت لأ... مش هنرجع. ركبت العربية تاني. لكن قبل ما تدور العربية... رن تليفونها. بصت في الشاشة. كان مدير شركة تنظيم الحفلة. ردت بهدوء. أيوه يا أستاذة منى. الراجل قال بتوتر حضرتك... فيه مشكلة. الأستاذ شريف بيقول إن الحساب اتقفل بالغلط. وإحنا مش هنقدر نكمل الحفلة غير بعد سداد باقي المبلغ. منى قالت بهدوء وده حقكم. العقد بيقول إن آخر دفعة تتدفع قبل تقديم العشاء الرئيسي. قال بالظبط... بس هو بيقول إن حضرتك هتحوليها. منى ابتسمت. أنا؟ أيوه... قال إنك هتتصرفي. منى ردت بثبات أنا ماليش أي علاقة بالعقد. الضامن الوحيد هو الأستاذ شريف. ولو المبلغ متدفعش... نفذوا البنود المكتوبة. سكت الراجل ثواني. وقال يعني... نوقف الخدمة؟ قالت نفذوا العقد بالحرف. وقفلت المكالمة. في نفس اللحظة... داخل الفيلا... كان الجرسون داخل ناحية شريف وهو متوتر. همس في ودنه بكلمتين. ابتسامة شريف اختفت. قام من على الترابيزة بسرعة. وقال بعصبية إيه يعني الأكل هيقف؟ مدير الشركة قال للأسف يا فندم. العقد واضح. المبلغ المتبقي لازم يتسدد دلوقتي. غير كده... هنبدأ نسحب المعدات. سهام قامت واقفة. إيه الكلام الفاضي ده؟ إحنا في نص الحفلة. مدير الشركة فتح التابلت. وقال دي نسخة العقد. وحضرتكوا شايفين توقيع الأستاذ شريف بنفسه. وأول بند مكتوب... في حالة عدم السداد يحق للشركة وقف الخدمة فورًا وسحب جميع المعدات. شريف طلع موبايله بسرعة. فتح التطبيق البنكي. وشه اتغير. رصيده... ما كانش يكفي حتى ربع المبلغ. بص لأمه بتوتر. وقالتله ادفع من بطاقتك. رد وهو بيبلع ريقه كل البطاقات وصلت الحد الأقصى. سكتت. لأول مرة... بدأ الخۏف الحقيقي يظهر على وشها. وفي نفس اللحظة... بدأ عمال شركة التنظيم يفكوا السماعات. ويشيلوا أجهزة الإضاءة. وبعدها... ابتدوا يرفعوا صواني الأكل من قدام المعازيم. المكان كله اتحول لفوضى. والناس بدأت تهمس هو إيه اللي بيحصل؟ هو مش قال إنه اشترى الفيلا؟ إزاي مش قادر يدفع حق الحفلة؟ أما شريف... فكان واقف في نص الجنينة، بيدور بعينيه على منى... لأنه لأول مرة يفهم... إن الست اللي كان بيعتبرها مجرد زوجة ضعيفة... هي الوحيدة اللي كانت شايلة كل حاجة من غير ما يحس. شريف طلع موبايله بسرعة. اتصل بمنى. مرة... واتنين... وثلاثة. لكن منى كانت شايفة اسمه على الشاشة. وسابت التليفون يرن لحد ما قفل. بعد خمس دقايق... وصلته رسالة قصيرة. أنا مش هأنقذك المرة دي. فضل باصص للرسالة كأنه مش مستوعب. أما فوزية... فكانت بتلف وسط المعازيم وهي بتحاول تضحك. مفيش حاجة يا جماعة... مجرد سوء تفاهم بسيط. لكن في نفس اللحظة... وقف مدير شركة التنظيم وسط القاعة. وقال بصوت واضح بناءً على بنود العقد... تم إلغاء الخدمة لعدم سداد المستحقات. خلال دقائق... كانت ترابيزات البوفيه بتتشال. وفرقة الموسيقى لمّت آلاتها. وشركات التصوير بدأت تطلب مستحقاتها هي كمان. كل واحد فيهم... كان معاه عقد. وكل العقود... باسم شريف. واحدة من قرايب فوزية همست هو مش مليونير؟ التانية ردت واضح إن كله كان منظر. شريف بدأ يحس إن الأرض بتتهز من تحته. لكن الصدمة الأكبر... كانت لسه جاية. مدير البنك اللي كان بيتعامل معاه اتصل بيه. رد بسرعة. أيوه يا أستاذ سامح. الراجل قال بجدية أستاذ شريف... حضرتك فين دلوقتي؟ أنا في الحفلة. قال للأسف لازم حضرتك تيجي البنك أول ما تخلص. فيه شيكات مستحقة النهارده. وفيه قسط كبير متسددش. ولو التأخير استمر... هيتم اتخاذ الإجراءات القانونية. شريف حاول يتماسك. أنا هتصرف. قفل المكالمة. لقى أمه واقفة قدامه. قالت بعصبية اتصل بمنى. خليها تحول الفلوس. رد لأول مرة بعصبية هي مش هترد. فوزية صړخت إزاي يعني مش هترد؟ هي مراتك. قال وهو بيضحك ضحكة مکسورة كانت... أما دلوقتي... أنا مش متأكد. وفي نفس اللحظة... كانت منى قاعدة في بيت أهلها. أبوها حط قدامها فنجان شاي. وقال بهدوء إنتِ كويسة؟ ابتسمت ابتسامة خفيفة. وقالت دلوقتي... ابتديت أبقى كويسة. أمها بصت للبنات وهما بيلعبوا مع بعض بعد ما غيرولهم هدومهم. وقالت الحمد لله إنك خدتي القرار. منى سكتت شوية. وبعدين فتحت درج صغير في شنطتها. طلعت منه ملف أزرق. أبوها عرفه من أول نظرة. هو ده؟ هزت رأسها. أيوه. وصل الأمانة. بقيمة خمستاشر مليون جنيه. بإمضة شريف. وأول قسط مستحق... بعد تمان وأربعين ساعة. أبوها ابتسم وقال هتستخدميه؟ منى قفلت الملف بهدوء. وقالت لسه. أنا مش عايزة أنتقم. أنا عايزة أخليه يحس بنفس الإحساس... لما بنته بصتله مستنية يدافع عنها... واختار يسكت. وفي نفس اللحظة... كان شريف قاعد لوحده في الفيلا الفاضية. المعازيم كلهم مشيوا. والأنوار بدأت تطفي واحدة ورا التانية. رن جرس الباب. فتح وهو فاكر إن منى رجعت. لكن اللي كان واقف... محضر المحكمة. ناولُه ظرف رسمي. وقال اتفضل... ده إعلان قانوني باسم حضرتك. شريف فتح الظرف بسرعة. وأول سطر وقعت عينه عليه خلاه يحس إن قلبه وقف. إنذار رسمي بالسداد... خلال ثمانٍ وأربعين ساعة. ولأول مرة... بدأ يفهم إن اللي خسره النهارده... مكنش مجرد حفلة. كان بيخسر حياته كلها. شريف فضل واقف ماسك الورقة. قرأها مرة... واتنين... وثلاثة. يمكن يكون فهم غلط. لكن الأرقام كانت واضحة. خمستاشر مليون جنيه. مستحقة السداد خلال 48 ساعة. ولو متسددتش... يحق للدائن اتخاذ كل الإجراءات القانونية. رفع عينه للمحضر. وقال بتوتر أكيد فيه غلطة. المحضر هز راسه. مفيش أي غلطة يا فندم. حضرتك إمضتك موجودة. واستلمت الإعلان بنفسك. وقفل الملف ومشي. شريف قفل الباب ببطء. وبص لأمه. سهام كانت لسه بتحاول تستوعب. قالت ورقة إيه دي؟ ناولها الإنذار. قرأت أول سطر. وشها اصفر. دي... دي إيه؟ شريف قال بصوت متكسر وصل أمانة. سهام شهقت. إنت مچنون؟ تمضي على مبلغ زي ده؟ رد بسرعة كانت قالتلي قرض من أهلها... ومقريتش التفاصيل. سهام صړخت فيه يعني مضيت من غير ما تقرا؟ قعد على الكنبة وحط راسه بين إيده. لأول مرة... ملقاش أي مبرر يدافع بيه عن نفسه. في صباح اليوم التالي... أول ما البنوك فتحت. شريف جرى على البنك. كان فاكر إنه هيقدر ياخد قرض جديد. لكن مدير الفرع استقبله بوش متجهم. وقال للأسف يا أستاذ شريف... حضرتك وصلت للحد الأقصى في الالتزامات. وأي تمويل جديد مرفوض. خرج من البنك وهو تايه. اتصل بكل أصحابه. كل واحد اعتذر. وبعدين افتكر منى. فضل يبعتلها رسايل. خلينا نتكلم. أنا غلطت. عشان البنات. لكن منى... ولا فتحت رسالة واحدة. في نفس الوقت... كانت قاعدة في مكتبها. لأول مرة... مش مخبية نفسها. غرفة اجتماعات كبيرة. وشعار شركتها على الحائط. وحواليها فريق من المديرين. واحد منهم قال أستاذة منى... فيه مستثمرين مستنيين حضرتك. ابتسمت وقالت دخلوهم. الاجتماع بدأ. وبعد ساعة كاملة... دخلت السكرتيرة. وقالت فيه راجل بره بقاله ساعة. بيقول إنه جوز حضرتك. منى رفعت عينيها. وقالت بهدوء بلغيه... إن الأستاذة منى في اجتماع. ولو عنده موضوع قانوني... يتواصل مع المحامي. بعد عشر دقائق... شريف خرج من الشركة. كان لسه مصډوم. أول مرة يشوف المبنى. وأول مرة يعرف إن مراته... هي صاحبة الشركة اللي كان بيسمع عنها في الأخبار، من غير ما يعرف إنها تخصها. وقف يبص للافتة الكبيرة المعلقة على المبنى. وقال لنفسه أنا كنت عايش مع مين؟ شريف فضل واقف قدام مبنى الشركة. الناس داخلة طالعة. موظفين بيحيوا منى باحترام. وعربيات رجال أعمال واقفة قدام المدخل. لأول مرة... فهم إنه عمره ما عرف الست اللي كانت عايشة معاه. كان فاكر إنه هو اللي بيصرف. وإنه هو صاحب الفضل. بينما الحقيقة... إنها كانت تقدر تشتري كل حاجة كان بيتباهى بيها قدام الناس. رجع البيت آخر النهار. لقى البيت فاضي. دولاب منى مفتوح. وجزء كبير من هدومها اختفى. وأوضة البنات هادية بشكل وجعه. على التسريحة... كان فيه ظرف أبيض. فتحه بسرعة. كانت رسالة بخط منى. شريف... أنا مستنية اللحظة دي من سنين. مش لحظة إني أمشي... لحظة إني أبطل أبرر. كل مرة كنت تسكت فيها على إهانة أمك... كنت بتخسر جزء مني. وآخر مرة... لما بنتك بصتلك مستنية تدافع عنها، وسكت... خسړت كل حاجة. أنا مش ماشية عشان حماتك. ولا عشان الفلوس. أنا ماشية عشان بناتي ميكبروش وهم فاكرين إن الست لازم تستحمل الإهانة عشان تحافظ على بيتها. أما وصل الأمانة... فمتقلقش. أنا مش محتاجة فلوسك. أنا محتاجة حق بناتي. لو التزمت بكل حقوقهم، ونفذت اتفاق الطلاق من غير مشاكل... الوصل هيتقطع قدامك بإيدي. ولو فكرت تماطل... ساعتها هتعامل معاه كأي مستند قانوني. الاختيار المرة دي... اختيارك. شريف خلص قراية الرسالة. وقعد على الكنبة. لأول مرة... افتكر كل مرة مريم جريت عليه تحضنه وهو بيبعدها لأنه مشغول. كل مرة ليلى كانت مستنية يلعب معاها وهو يقول بعدين. كل مرة منى كانت تستناه يقف جنبها... ويرجع يقف جنب أمه. بعد شهرين... تم الطلاق بهدوء. شريف وافق على كل حقوق منى والبنات. وتنازل عن أي ڼزاع قانوني. ويوم توقيع آخر ورقة... منى طلعت وصل الأمانة من الملف. بصت له. ثم مزقته قدامه إلى قطع صغيرة. وقالت أنا وعدتك. أنا مكنتش بدور على فلوس. كنت بدور على كرامة. خرجت من المكتب وهي ماسكة إيد مريم وليلى. وأول ما ركبوا العربية... مريم ابتسمت وقالت ماما... هو إحنا هنروح ناكل في المكان اللي بنحبه؟ ابتسمت منى. وقالت آه. بس المرة دي... هنقعد على أحسن ترابيزة. ليلى ضحكت وسألت ولو حد قال إنها مش بتاعتنا؟ منى بصتلها في المراية. وقالت بابتسامة هادئة محدش يقدر يحدد مكانكم في الدنيا. ولا على سفرة... ولا في حياة. إلا أنتم. وفي نفس الوقت... كان شريف قاعد لوحده في البيت الكبير. المكان هادي... لكن أول مرة يحس إنه فاضي فعلًا. بص على كرسيين صغيرين كانوا في ركن الصالة. كرسي مريم... وكرسي ليلى. ولأول مرة... اكتشف إن أغلى حاجة خسرها... مكنتش الفيلا. ولا الفلوس. ولا سمعته قدام عيلته. كانت بنتين صغيرين... استنوا أبوهم يدافع عنهم مرة واحدة. وهو اختار... يسكت.