ما وراء الصمت

هو إنت! إيه اللي جابك هنا! أنا مش هخلص منك ولا إيه
بص لها ياسين بدهشة واستغراب حقيقي الأول وقال وهو بيقوم
المفروض أنا اللي أسأل السؤال ده هو إيه اللي جابك إنت
قرب منها خطوتين وهو رافع حاجبه وقال بنظرة فيها لمعة وضحكة صغيرة في آخرها
وبعدين أنا قاعد هنا مع أمي بيتنا يا دكتورة.
وأنا اللي كنت فاكر نفسي بهرب منك!
اتجمدت مكانها وبان الإحراج على وشها
أنا أنا ماكنتش أعرف إن ده بيتك.
اتكعبل صوتها وهي بتقولها وبصت ناحية الباب وقالت بسرعة
خلاص أنا هحضر حاجتي و
قطع كلامها وهو بيضحك نص ضحكة فيها شقاوة واضحة
تروحي فين يا بنت الناس هو إنت اټجننتي
قبل ما تكمل كلامها أم ياسين قالت وهي بتبتسم
فرح يا حبيبتي تعالي! دي بيتك يا بنتي هو في إيه
وبصت لابنها وقالت له بنظرة تحذير
ما تفزعهاش كده يا ياسين.
ضحك هو وقال وهو بيرجع يقعد تاني باسترخاء واضح
أنا ده أنا كنت بهون عليها بس.
وفجأة طلع صوت من جوه المطبخ
فرح! يا حبيبتي تعالي انتي وصلت
لفت فرح على الصوت بسرعة وقالت بتوتر
أيوه يا نور أنا آسفة أنا أنا ماكنتش أعرف إن ياسين هنا.
أمه بصت له وقالت وهي بتشاور على فرح
هي دي بقى الملفوفة اللي كنت بتقول عليها
بص لها ياسين بنظرة خبث خفيف وقال وهو بيرشف العصير بهدوء
أيوة دي بقا جامدة وملفوفة أكتر.
فرح اتجمدت مكانها قلبها دق بسرعة وقالت بحدة وهي بتبصله
إنت قليل الأدب قوي.
نور وهي بتضحك وقالت وهي تبص على ياسين بنظرة لوم ظريفة
بس يا ياسينانت مخلي البنت متوترة!
ضحك بخفة وقال وهو مش شايف أي مشكلة
ما قلتش حاجة غلط يا دكتورة ده توصيف علمي بس.
اتسعت عيني فرح وبصت له بحدة وقالت بسرعة وهي متضايقة
إيه الأسلوب ده!
وبصوت متوتر قالت
أنا داخلة أوضتي تصبحوا على خير.
بس قبل ما تدخل الأوضة سمعته بيقول بنبرة ضاحكة خفيفة
لا حول الله دي لو اتكلمت كمان هتولع في الشقة كلها.
ودخلت أوضتها بسرعة قفلت الباب وراها وهي بتنهج
صوت ضحكته لسه بيلف في ودانها
ونظرة أمه اللي كانت نصها استغراب ونصها إعجاب بيها
خلوها تقعد على السرير وټدفن وشها في كفوفها وهي تقول بصوت واطي
هو إيه اللزقة دي اللي ربنا رزقني بيها
وكمان جواها ڼار تانية خالص ڼار غيظ وإحراج و حاجة غريبة مش عارفة تسميها.
هو ليه دايما كلامه يوجع ويضحكها في نفس الوقت
عدت الأيام بعد ما فرح نقلت بيت خالت نور والجو هناك كان أهدى بكتير من بيت عمها. كانت حاسة براحة غريبة يمكن عشان أول مرة تبقى في مكان ما فيهش توتر ولا نظرات ضيق يمكن كمان عشان وجود نور كان بيهون عليها كل حاجة.
وياسين هو كمان كان واخد إجازةوإجازة نص السنة من الكلية بتاعت فرح فبقى موجود أغلب الوقت في البيت وده خلى الاحتكاك بينهم يزيد يوم عن يوم.
في الأول كانت بتحاول تتجنبه يعني لو شافته في الصالة تدخل المطبخ ولو سمعته بيتكلم تروح أوضتها. بس الغريب إنه ما بقاش زي زمان. لا بيستفزها ولا بيرخم عليها. بالعكس بقى بيحاول يتكلم معاها بهدوء يضحك يساعدها من غير ما تطلب.
مرة مثلا كانت بتعلق ستارة وهو عدى وشافها بتتعب فقال لها بابتسامة هادية
سيبي دي عليا مش هتتعلق كده علشان انتي قصيرة وهتفضلي قصيرة طول عمرك.
ردت بحذر
لأ خلاص قربت أخلص.
قال لها
أهو ده اللي بيخلي الستات تتعب حب العند.
وبكل بساطة رفع الستارة وثبتها وهي واقفة تبصله من غير ما تنطق.
نظراتها كانت فيها حاجة غريبة مزيج بين الامتنان والتفكير كأنها بتحاول تفهمه.
ومع الوقت المواقف الصغيرة دي بقت كتير.
يفطروا مع بعض بالصدفة يتكلموا في مواضيع بسيطة زي الأخبار أو الطبخ أو حتى الكلية وكل مرة الحوار يبقى أطول من اللي قبله.
هي بقت تلاحظ فيه حاجات ما كانتش واخدة بالها منها قبل كده طريقته لما بيتكلم وهو مركز ضحكته اللي بتظهر ڠصب عنه اهتمامه بأمه وبنت خالته نور حتى نظرته ليها لما تتكلم بتركيز كانت بتحسها بتسحبها جواه.
هو كمان من ناحيته بقى بيشوفها بعين تانية.
مش البنت الهادية اللي كانت ساكتة دايما لأ دي بقت أقوى أنضج وفيها لمعة كده تخليه عايز يسمعها وهي بتحكي.
أوقات كان بيقعد في الصالة يقرأ أو يكتب وهي تبقى في البلكونة وبعدين تضحك فجأة على حاجة بتقراها فيبص لها كأنه متفاجئ من بساطتها.
وفي مرة قالت له
هو أنت بتبص لي كده ليه
قال وهو مبتسم نص ابتسامة فيها خبث خفيف
بتأمل في الطبيعة.
ردت بجدية
يبقى ابص في المراية أحسن عشان الطبيعة دي بتتنرفز بسرعة.
ضحك وقال
بالعكس الطبيعة دي بتأثر في الواحد بطريقة مش طبيعية.
هي وقتها سكتت بس قلبها اتخض.
الكلام عادي بس طريقته فيه حاجة مختلفة حاجة مش زي أي هزار تافه.
ويوم بعد يوم بقيت العلاقة بينهم أغرب من إنها صداقة وأهدى من إنها حب معلن.
فيه راحة بس فيها قلق.
وفيه اهتمام بس من غير تصريح.
كأن كل واحد فيهم بيختبر التاني بصبر من بعيد وبيخاف يقرب زيادة فيخسر الهدوء اللي بينه وبين نفسه.
لكن الغريب إن حتى لما كانت بتحاول تلهي نفسها تفكر في الدكتوراه بتاعتها أو في حياتها كان بيطلع في دماغها من غير استئذان ضحكته كلمته طريقته في نطق اسمها كل حاجة فيه بقت بتسيب أثر.
وبالرغم من إنها كانت بتقول لنفسها ده مجرد إعجاب عادي كانت حاسة إن الموضوع أكبر من كده.
وهو كمان ما بقاش بيستنى الصدفة عشان يشوفها بقى بيخلقها.
زي مثلا لما يطلب من أمه حاجة وهو عارف إن فرح اللي هترد أو لما يتوه حاجه قصدا عشان يسألها عن مكان حاجة في المطبخ.
الاتنين بقوا عالقين في دايرة مش مفهومة بين الاعتياد والاهتمام بين الحذر والرغبة.
لكن اللي اتأكدوا منه من غير ما يقولوا إن وجودهم في نفس المكان ما بقاش عادي زي الأول وإن كل لحظة بتعدي بينهم بتسيب علامة صغيرة علامة بتقربهم من اللي جاي.
من يوم ما فرح سابت بيت عمها والدنيا اتقلبت عند معتز.
هو ما كانش مستوعب إنها فعلا مشيت ولا إنها قدرت تعمل كده من غير ما تبص وراها.
في الأول كان بيقول لنفسه هترجع

