6 سنين بقلم مني السيد 2
المهندس عاصم رسلان مكنش ب يهزر. صوته وهو ب يعزل عمر كان زي صوت الرعد في المكتب، لدرجة إن عمر قام وقف مكانه وهو مش مصدق، عينه كانت ب تروح وتيجي بين عمّه وبيني، وكأنه ب يحاول يستوعب إن الإمبراطورية اللي بناها ب الغش والـخداع ب تـتهد فوق دماغه في ثانية واحدة.
— عمي! إنت ب تقول إيه؟ إنت ب تصدق كلام الست دي؟ دي جاية ب تـتبلى عليا وعايزة تاخد الشغل وتلوي دراعي ب شوية ورق وتلفيق!
عمر زعق، وصوته كان مرعوب، الـقناع الهادي اللي كان ساتر قذارته اتمزع خالص.
المهندس عاصم خطى خطوتين ب عصايته الدهب، وخبط بيها على الأرض خبطة قوية رنت في المكتب كله:
— اخرس خالص يا عمر! الست دي م تـتبلاش عليك، الست دي أنا سمعت تسجيلك ب ودني، وشايف التقرير الطبي بتاع مستشفى محترم قدام عيني. إنت مش بس خنت الأمانة وخنت وصية جدك، إنت كنت ب تموت ابنك عشان غلك وحقدك! جرى في عروقك إيه يا أخي؟ إحنا عيلة رسلان عمرنا ما كنا ب الندالة دي!
التفت عاصم ليا، وملامح وشه اتغيرت تماماً، بقيت كلها أسف واحترام، وقال ب نبرة هادية:
— مدام كريمة… جدي وجدك الله يرحمهم كانوا رجالة ب صفتهم الكلمة، والوصية دي اتكتبت عشان نضمن إن دم الهواري ورسلان يفضلوا سند ل بعض. عمر خسر حقه ب إيده. الشيك اللي بـ ٢ مليون جنيه ه يمضي عليه حالا ب صفته عضو في الشركة لحد ما نخلص إجراءات نقل الأسهم ل اسمك ب القانون، والمستشفى اللي إنتي فيها، حسابها كله ه يتغطى على نفقة المجموعة من اللحظة دي.
بصيت لعمر اللي كان وشه جايب ألوان، ضحكت ب سخرية وقلت له:
— امضي يا عمر بيه… امضي الشيك ب إيدك اللي كانت ب تدسلي السّم في اللبن. امضي عشان تلحق تلم هدومك من مكتب رئيس مجلس الإدارة قبل ما الأمن يطردك.
عمر مسك القلم الدهبي، إيده كانت ب تـترعش لدرجة إن السن خبط في الشيك ومضى وهو ب يبصلي ب نظرة غل قاطعة، لو كان يطول يـقـ*تلني فيها في مكاني كان عملها. رمى الشيك على المكتب وقال ب صوت فحيح زي التعابين:
— ماشي يا كريمة… الماتش لسه مخلصش. فاكرة إنك ب الشيك ده وب عمي عاصم ه تقدري تاخدي مجموعة رسلان؟ المجموعة دي أنا اللي مشيَّها ب دماغي، الشركاء والأجانب م يعرفوش حد غيري. إنتي مجرد مدرسة غلبانة م بتفهميش في البزنس، وآخِرِك تعدّي الجنيه لآخر الشهر. بكرة ه تشوفي مين اللي ه يضحك في الآخر.
أخدت الشيك ب برود شديد، وحطيته في شنطتي مع التقرير الطبي، وقفت ورفعت راسي ب فخر:
— المدرسة الغلبانة دي يا عمر… هي اللي عاشت معاك ٦ سنين ب تـدبّر وتـوفّر عشان تـعمل من اللاشيء شيء، وبكرة ه تشوف المدرسة دي ه تعمل إيه ب فلوسها وحقها الشرعي. شكراً يا بشمهندس عاصم… أنا راجعة المستشفى عشان ابني.
## الـمطرودان
وأنا خارجة من المكتب، لقيت الطرقة مقلوبة. شيرين صبري كانت واقفة ب تلم حاجتها في كرتونة، ودموعها نازلة ب غضب وهي ب تـشتم الأمن اللي واقفين فوق دماغها ب أوامر من البشمهندس عاصم. أول ما شافتني خارجة والشيك في إيدي، عينيها طلعت شرار، سابت الكرتونة وقربت مني وهي ب تـنهج:
— إنتي فاكرة نفسك كسبتي؟ والله العظيم ما ه سيبك يا كريمة! عمر ليا أنا، والفلوس دي كلها أنا اللي تعبت فيها معاه، مش ه تيجي واحدة بيئة زيك من طنطا تاخد كل حاجة على الجاهز!
وقفت قدامها وثبّت عيني في عينها، النبرة المهزوزة اللي كانت فيا زمان اختفت تماماً:
— واحدة بيئة من طنطا؟ جدي اللي بتتريّقي عليه ده، لولا أرضه وفلوسه اللي جد عمر أخدها زمان ب عقد شراكة، مكنتش الفيلا اللي انتي قاعدة فيها دي اتـبنت أصلاً. وفري دموعك ل وكيل النيابة يا شيرين، لإن بكرة الصبح محامي الشركة ه يفتح الدفاتر القديمة اللي كنتي ب تمضي عليها مع عمر… اطلعي برة ب كرامتك اللي باقية، لو كان لسه عندك كرامة.
زقيتها ب كتفي ومشيت، سبتها ب تـصرخ ورايا زي المجنونة. نزلت البرج وأنا حاسة إن الهوا ب يدخل صدري لأول مرة من ٦ سنين. ركبت التاكسي ورجعت المستشفى علطول.
## ليلة في المستشفى… وظهور حليف جديد
أول ما وصلت أوضتي في المستشفى الاستثماري، لقيت الدكتورة ماجدة مستنياني ب ابتسامة مريحة:
— حمد الله على سلامتك يا مدام كريمة… المحاليل الجديدة بدأت تـجيب نتيجة، والـنبض بتاع الجنين ب يـتحسن ب بطء، بس إحنا لسه في مرحلة الخطر، محتاجين راحة تامة وضغطك م يعلاش خالص.
نمت على السرير وأنا ب تـنهد ب راحة، وحطيت إيدي على بطني:
— الحمد لله يا دكتورة… أنا مستعدة أعمل أي حاجة عشان ابني يعيش. الفلوس والمصاريف خلاص م بـقتش مشكلة.
الدكتورة خرجت وسابتني ارتاح. على الساعة ٩ ب الليل، الباب خبط ودخل شخص مكنتش متوقعة أشوفه أبداً… كانت **مها رسلان**، الأخت الصغيرة ل عمر.
مها كانت دايماً عايشة برة مصر ب تدرس في لندن، ومكنتش ب تـيجي غير في المناسبات، وكنت دايماً بشوفها بنت رقيقة وم ب تـتدخلش في مشاكل العيلة، بس عمر كان دايماً ب يقولي عنها إنها “م ب تـفهمش حاجة وعايشة في مية البطيخ”، طبعاً عشان مصلحته.
— كريمة! حبيبتي… ألف سلامة عليكي.
مها جرت عليا وحضنتني ب دموع حقيقية.
— مها؟ إنتي جيتي من السفر إمتى؟ وعارفة مكاني منين؟
سألتها وأنا مستغربة.
قعدت على الكرسي اللي جنب السرير ومسكت إيدي ب حنية:
— أونكل عاصم كلمني وحكالي كل حاجة… أنا نزلت مصر من يومين عشان كنت حاسة إن فيه حاجة غلط. عمر بقاله فترة ب يتصرف ب غباء، ولما عرفت اللي عمله معاكي وب حبوب منع الحمل… أنا بـجـد قـرفـانـة إنه أخويا! أنا مش مصدقة إن فيه بني آدم ب القذارة دي!
بصيت لها ب حذر، لسه الخوف جوايا من أي حد من عيلة رسلان:
— إنتي جاية تـدافعي عنه يا مها؟ ولا جاية تـقوليلي معلش دي مشاكل عائلية؟
— لأ طبعاً!
مها زعقت ب حدة:
— أنا جاية أقولك إني معاكي يا كريمة. جدي الله يرحمه كاتب في الوصية إن لو عمر أخل ب الشروط، أنا كمان ليا حق في الإدارة مع الوريث الشرعي اللي هو إنتي. عمر كان ب يستغل طيبتي ب إنه ب يخليني أمضي على توكيلات من غير ما أفهم عشان يسيطر على مجلس الإدارة. أنا جيت عشان نـحط إيدينا في إيد بعض ونـكسر عينه ب القانون!
كلام مها نزل عليا زي البلسم. ربنا م ب يـسيبش حد مظلوم، لما ب يـقفل باب ب يـفتح أبواب ثانية.
— طيب والعمل يا مها؟ عمر مش ه يسكت، ده قالي في المكتب إن الماتش لسه مخلصش، وهو تعبان وراه شيرين وصبري والشركاء الأجانب.
مها ابتسمت ابتسامة فيها ذكاء مكنتش بشوفه فيها زمان:
— عمر ب يـهدد ب الهوا. الشركاء الأجانب ب يـهمهم الاستقرار والأرقام، وأونكل عاصم معاه 30% من الأسهم، وأنا معايا 15%، وإنتي ب حكم القانون ليكي 35% ب الوصية… يعني عمر ب طوله ملوش وزن في مجلس الإدارة من غيرنا. بس المشكلة مش في الشركة يا كريمة… المشكلة في اللي عمر ب يـخططله برة الشركة.
— قصدك إيه؟
سألتها ب قلق ونبضات قلبي بدأت تـسرح.
— شيرين صبري مش مجرد سكرتيرة يا كريمة… شيرين دي أبوها يبقى **صبري الهواري**… ابن عم جَدك كامل! يعني هي كمان من فرع العيلة القديم، بس الفرع اللي جَدك طردهم من زمان ب سبب سرقة وأعمال غير مشروعة. شيرين وعمر مـتـفقين مع بعض من قبل ما يتجوزك، وكانوا ب يـحاولوا يلاقوا أي ثغرة في الوصية عشان يـثبتوا إن جَدك كامل مكانش بكامل قواه العقلية وهو ب يكتبها!
الدنيا لفت بيا تاني… يعني التمثيلية مكنتش من عمر بس، دي كانت مؤامرة مـطبوخة من سنين بين عمر وشيرين عشان يـقضوا على ورث جدي كامل خالص وياخدوا كل حاجة!
## السهم المرتد
يومين عدوا وأنا في المستشفى، وبدأت أسترد صحتي ب فضل ربنا والدكتورة ماجدة. مها م سابتنيش لحظة، وكانت ب تـجيب اللاب توب بتاعها وب نـقعد نـدرس أوراق الشركة والوصية ب تفصيل الممل. الشيك الـ ٢ مليون جنيه اتصرف، وحطيت الفلوس في حساب خاص ب اسمي عشان أضمن علاج ابني وأي مصاريف تانية للمحاميين.
وفي اليوم الثالث، الصبح بدري، الباب اتفتح ودخل عمر!
مكانش لابس البدلة الفخمة، ملامحه كانت مـبهدلة، عينيه حمرا من قلة النوم، دقنه طلعت، بس نظرة الـشر اللي في عينه كانت زي ما هي. دخل وقفل الباب وراه ب عنف. مها وقفت علطول ووقفت قدامه ب شجاعة:
— إنت إيه اللي جابك هنا يا عمر؟ اطلق برة وإلا هـطلب الأمن!
عمر زق مها ب إيده من غير رحمة وقال وهو ب يبصلي:
— وسعي من قدامي إنتي كمان! حسابك معايا بعدين يا ست مها يا اللي ب تخوني أخوكي عشان واحدة غريبة.
قرب من السرير، وطلع من جيبه ورقة رمـاها في شـّي:
— اَمضي على التنازل ده يا كريمة… تنازل عن كل حقوقك في مجموعة رسلان، وتنازل عن التسجيل الصوتي والتقرير الطبي… ب الـذوق كده عشان نـخلص ب المعروف.
ضحكت ب أعلى صوت عندي، ضحكة هزت الأوضة:
— إنت بـجـد مـجـنون يا عمر! إنت فاكر نفسك لسه رئيس مجلس الإدارة؟ أنا م بـمضيش على ورق تنازلات، أنا بـمضي على شيكات وبس!
عمر وشه اتشنج، وطلع تليفونه وفتحه ووراني شاشة فيديو لايف… الفيديو كان ل بيت جدي القديم في طنطا، البيت اللي عشت فيه طفولتي، وكان فيه رجالة بـبـدل سودا واقفين قدام البيت ومعاهم لـودر عملاق ب يـهد السور الخارجي!
— البيت ده يا كريمة… اللي مكتوب ب اسم جَدك كامل، شيرين جابت قرار إزالة ليه ب حكم محكمة قديم ب تهمة إن الأرض دي تابعة لأبوها صبري الهواري! لو م مـضيتيش على التنازل خلال خمس دقائق، اللودر ده ه يـهد البيت كله ب الذكريات اللي فيه، وه يـطلع ورق يـثبت إن جَدك كامل مكنش يملك الأرض دي أصلاً، وب الكود ده… الوصية كلها ه تـبقى باطلة في المحكمة!
جسمي كله اتـعش. بيت جدي… المكان الوحيد اللي ب يـفكرني ب ريحتهم، الذكريات، الصور، لبسي وأنا عيلة صغيرة… عمر ب يـهد كل ده ب منتهى الخسة والنذالة.
مها جرت شافت الفيديو وصوتت:
— إنت شيطان! إنت ب تعمل إيه في تاريخ العيلة؟
عمر بص في ساعته وقال ب برود مرعب:
— قدامك ٤ دقائق يا كريمة… إما تمضي وتنقذي ذكريات جَدك الطاهر… إما البيت يـتساوى ب الأرض والوصية تـبطل، وترجعي مدرسة بـ 5 آلاف جنيه ب المترو والجاكيت الدبلان… وم تشوفي مليم واحد من عيلة رسلان!
بصيت للورقة اللي على السرير، وبصيت للفيديو… دموعي كانت هتـنزل، بس افتكرت كلمة جدي كامل: *”يا كريمة، الكرامة والحق م ب يـتبعوش، واللي يـهد حيطة ب نـبني بدالها قصر، بس اللي يـطأطئ راسه ب يفضل طول عمره في الأرض”*.
مسكت الورقة ب إيدي… وعمر ابتسم ابتسامة النصر الملعونة، وافتكر إني هـمضي… وفجأة…
وفجأة… قطعت الورقة نصين، ونصين بقوا أربعة، ورميت الـفتافيت في وشه ب منتهى القوة والـبرود:
— أعلى ما في خيلك وخيل شيرين اركبوه يا عمر! اِهد البيت… اِهد الطوب والـحيطان، بس افتكر إنك مـ تقدرش تـهد اللي جدي زرعه جوايا. الأرض أرضنا ب ورقها الأصلي اللي تحت إيد البشمهندس عاصم، والوصية مش هـ تبطل بـ لودر ورجالة سوابق.
عمر تنّح، الـورق المتـقطع طار على وشه وبدأت ملامحه تـتحول من الـثقة لـ غضب أعمى ومجنون. مسك تليفونه وزعق في السبيكر للراجل اللي واقف في طنطا:
— هـد يا زفت! ساوي البيت ب الأرض حالا! مش عايز حيطة واحدة واقفة!
الصوت كان طالع في الأوضة بـ خبط اللودر وهو ب يـخرم في السور الـقديم… قلب كان ب يـتعصر مع كل ضربة، بس عيني مـ نزلتش من على عينه. مها جرت عليا وهي ب تـعيط وب تـحضنني:
— كريمة… يا حبيبتي أنا أسفة، أسفة إن أخويا بـ النذالة دي.
عمر لف ضهره وهو ب يـنهج زي الكلب المسعور، وبصلي ونظرة عينه كلها توعد:
— إنتي اللي اخترتي يا كريمة… إنتي اللي ضيعتي كل حاجة بـ غبائك. بكرة في المحكمة ورق شيرين هـ يـثبت إن جَدك كامل مكانش يملك شبر واحد، والوصية هـ تـبقى حبر على ورق… اِجهزي بـقى للـمَرمطة في المحاكم.
ودب برجليه في الأرض وخرج وقفل الباب وراه بـ رزع هزت الحيطة. أول ما خرج، ركبي سابت، وحسيت بـ نغزة قوية في بطني. مها صرخت وندت الدكتورة ماجدة اللي جرت عليا بـ جهاز السونار والمحاليل:
— مدام كريمة! اِهدّي بـ الله عليكي! قولتلك ضغطك مـ يعلاش… إنتي ب تـخاطري بـ الجنين!
أخدت نفسي بـ عافية، وغمضت عيني وأنا بـ قرأ في سري كل الآيات اللي حافظاها. دقيقة… اتنين… لحد ما نغزة الوجع بدأت تـخف، والدكتورة اتنهدت بـ راحة:
— الحمد لله… النبض رجع استقر، بس دي كانت آخر تحذير يا مدام. لو اتعرضتي لـ ضغط زي ده تاني، أنا مش هـ ضمن ليكي الولد.
بصيت لـ مها وقلت لها بـ صوت مبحوح بس كله إصرار:
— مها… اِتصلي بـ البشمهندس عاصم حالا… قولي له اللي حصل لـ بيت طنطا. عمر وشيرين نزلوا اللعب الـقذر لـ علني، وإحنا مـ بقاش ينفع نـقعد في المستشفى نـتفرج.
## مـفاجأة الـباشمـهندس عاصم
مـ فاتش ساعتين، ولقينا البشمهندس عاصم داخل الأوضة، ومعاه راجل تانّي لابس بدلة شيك جداً وماسك في إيده شنطة جلد سودا كبـيرة. عاصم كان وشه هادي، هدوء ب يـرعب أكتر من غضب عمر.
قرب من السرير وقال بـ نبرة حنينة:
— سلامتك يا بنتي… مها حكتلي كل حاجة. عمر غبي، غباءه عماه لـ درجة إنه نسي أنا مين في العيلة دي، ونسي إن جَدك كامل مكانش ب يـسيب حقه لـ حد.
— يا بشمهندس، البيت ب يـتهد! ذكريات جدي وأمي وأبويا الله يرحمهم ب تـضيع!
قلت له والـدموع مغرقة عيني.
الراجل اللي معاه ابتسم بـ ثقة، وفتح الشنطة وطلع منها ألبوم صور قديم جداً، وورق أصفر عليه أختام ملكية من أيام الملكية والـثورة. عاصم شاور عليه وقال:
— اِعرفك يا كريمة… ده الأستاذ **مجد الدين الشاذلي**، أكبر محامي نقض ومستشار قانوني لعيلة رسلان من ٤٠ سنة. وهو اللي كتب الوصية دي بـ إيده مع جدي وجَدك كامل.
المستشار مجد الدين خطى خطوتين وقال بـ صوت رخيم ومريح:
— مدام كريمة… الحاج كامل الهواري، الله يرحمه، كان راجل بـ ميت راجل. لما صبري الهواري (أبو شيرين) حاول يـتذاكى زمان ويـسرق ورق الأرض، جَدك كان أذكى منه بـ كتير. الأرض والبيت بتوع طنطا مش مـتسجلين بـ اسم كامل الهواري أصلاً في الشهر العقاري الـقديم… دول مـتسجلين بـ اسم **”وقف خيري”** لـ اسمك إنتي مباشرة من وإنتي عندك سنتين!
تنّحت وبصيت له مش فاهمة:
— يعني إيه وقف خيري بـ اسمي؟
المستشار مجد الدين ضحك وقال:
— يعني بـ القانون المصري… الوقف ده مـ ينفعش عليه قرار إزالة، ومـ ينفعش يـتباع أو يـتـرهن، وأي حكم محكمة شيرين جابته بـ اسم “كامل الهواري” هو حكم باطل ومـلوش أي قيمة قانونية على الأرض دي، لإن الـمُدعى عليه مـلوش صفة! واللودر اللي عمر منزله ده… ب يـهّد في ملكية “وقف عام تـحت إدارة الدولة لـ صالح قاصر” (اللي هي إنتي زمان). أنا من نص ساعة بـ الضبط، بلغت مباحث الأموال العامة ومحافظ الغربية بـ التعدي ده، وحالياً عمر والرجالة بتوعه ب يـتـقبض عليهم بـ تهمة الـتخريب الـعمدي لـ أملاك الوقف وانتحال الصفة!
جوايا حسيت بـ طاقة غريبة ب تـتولد. جدي كامل… حتى وهو ميت تـحت التراب، ب يـحميني وب يـضرب عمر وشيرين من ورا الغيب!
## السحر ب يـنقلب على الساحر
عاصم رسلان قعد على الكرسي وبص لـ مها بـ فخر:
— برافو يا مها إنك وقفتي مع كريمة. وعمر خلاص… الـلعبة الكبـيرة بتاعته هـ تـنتهي بكرة في اجتماع مجلس الإدارة الـطارئ. الشركاء الأجانب عرفوا بـ الفضيحة الطبية والتسجيل الصوتي اللي كريمة عملته، والـسهم بتاع الشركة نزل ٢٪ من الصبح بـ سبب الإشاعات. هما عايزين استقرار، والوصية ب تـقول إن كريمة هي الوريث الشرعي للـكتلة الحاكمة.
المستشار مجد الدين كمل كلامه:
— إحنا محتاجينك بكرة يا مدام كريمة… لازم تـحضري الاجتماع بـ نفسك. أنا عارف إنك تعبانة والحمل في خطر، بس حضورك بـ صفتك مالكة الـ ٣٥٪ من الأسهم بـ حكم الوصية والوقف، هو اللي هـ يـمضي على شهادة وفاة عمر رسلان المهنية بـ الكامل.
بصيت لـ الدكتورة ماجدة اللي كانت واقفة ب تـسمع بـ انبهار. الدكتورة هزت راسها وقالت:
— أنا هـ كشف عليكي بكرة الصبح بدري يا كريمة… لو النبض والضغط تمام، هـ وافق تـخرجي بـ كرسي متحرك لمدة ساعتين بـ الـظبط، وترجعي للمستشفى تاني تـكملي علاجك. بس لازم تكوني قوية.
قلت لها وعيني ب تـلمع بـ تحدي:
— هـ كون أقوى من أي وقت فات يا دكتورة… الـ ٦ سنين اللي عشتهم وأنا بـ عدّ الجنيه وبـ قسّط الجمعيات، علموني الـصبر… ودلوقتي جه وقت الـحساب.
## يوم الـحساب في الدور الأربعين
تاني يوم الصبح… برج رسلان المعماري كان مقلوب زي خـلايا النحل. الـقنوات الـإخبارية الـإقتصادية كانت ب تـتكلم عن الأزمة الإدارية في المجموعة.
الساعة ١١ بـ الـظبط… باب قاعة الاجتماعات الكبـيرة المتبطنة بـ الزجاج والـخشب الغالي اتفتح. القاعة كانت مليانة رجالة بـ بدل كاملة، شركاء مصريين وأجانب، وعلى رأس التربيزة كان قاعد البشمهندس عاصم ومها.
وفجأة… دخلت أنا.
كنت قاعدة على كرسي متحرك ب تـزقه ممرضة خاصة من المستشفى، ولابسة فستان أسود شيك جداً مها كانت جيباهولي، ورافعة راسي، وفوق كتفي جاكيت طويل ب يـداري تعب جسمي. الموظفين والشركاء كلهم وقفوا بـ احترام وانبهار. الـبنت اللي كانت ب تـركب المترو بـ جاكيت دبلان، دخلت بـ هيبة ملاك الموت اللي جاي ياخد روح عمر الإدارية.
وفي ركن القاعة… كان واقف عمر رسلان!
كان خارج بـ كفالة الصبح من النيابة في طنطا بـ سبب حوار البيت، لبسه كان مـكرمش، ودقنه باينة، وعينه كلها غل وخوف وهو ب يـشوفني بـ دخل القاعة دي. وجنبه كانت واقفة شيرين صبري، اللي ملامح وشها كانت كأنها شايفة شبح… وعينيها ب تـبص للأرض من الـكسوف والـخوف بعد ما الأمن مـ رضيوش يدخلوها المكتب وبقت واقفة على الباب بـ الصفة الـقديمة.
قعدت بـ الكرسي بتاعي في الـمكان المخصص ليا، المستشار مجد الدين وقف وفتح الملفات بتاعته وبدأ يـتكلم بـ الإنجليزي والعربي لـ كل اللي قاعدين:
— السادة أعضاء مجلس الإدارة… بناءً على وصية المؤسس الأول، المهندس رسلان المعماري، وبناءً على خرق الـسيد عمر رسلان لشروط الإدارة، وتورطه في قضايا جنائية تـخص تسميم زوجته والشروع في ق*تل جنين والتعدي على أملاك الوقف الخيري… نـعلن تنصيب السيدة كريمة كامل الهواري بـ صفة مالكة الـ ٣٥٪ من الأسهم، ورئيسة لـ مجلس الإدارة بـ التضامن مع المهندس عاصم رسلان!
الـقاعة كلها صقفت، والأجانب هزوا روسهم بـ موافقة كاملة بعد ما شافوا ورق الوقف وورق المحكمة.
عمر مـ قدرش يـمسك نفسه، جرى على التربيزة وزعق بـ جنون:
— لأ! مش هـ يـحصل! الست دي م تـفهمش حاجة! إنتوا ب تـسلموا المجموعة لـ واحدة مدرسة م تـعرفش يعني إيه صفقة عقارية! دي مؤامرة عشان تـطردوني من شقا عمري!
وقفت من على الكرسي بـ صدمة خلت كل اللي في القاعة يـكتموا أنفاسهم. سـندت بـ إيدي على التربيزة وبصيت لـ عمر بـ كل جـبروت المظلوم اللي ربنا نـصره:
— شقا عمرك يا عمر؟ ولا شقا جدي كامل اللي إنت وأبو شيرين سرقتوا أرضه زمان؟ المدرسة اللي بتتريّق عليها دي… هي اللي حفظت على بيتك وشرفك ٦ سنين وإنت ب تـديها السّم في اللبن! الصفقات العقارية اللي ب تـتكلم عنها… أنا الـقوانين بتاعتها حفظتها في يومين مع المستشار مجد الدين، لإن اللي ب تـعرف تـمشي بيت بـ ٥ آلاف جنيه في الشهر، تـعرف تـدير إمبراطورية بـ الملايين بـ صوابع إيدها الصغـيرة!
التفت للأمن اللي واقفين على الباب وقلت بـ صوت عالي هز القاعة:
— خـدوا عمر بيه… وشيرين صبري برة البرج… ومش عايزة أشوف وشهم هنا تاني. ورق النيابة هـ يـتحرك بكرة بـ تهمة الـشروع في الـقت*ل والـتزوير… اِطلعوا برة!
عمر بصلنا بـ نظرة انكسار مرعبة، وشيرين جرت وراه وهي ب تـعيط وب تـحاول تـداري وشها من الكاميرات اللي كانت واقفة تحت البرج. الأمن مسكهم من إيديهم وخرجوهم وسط نظرات الـإحتقار من كل الموظفين.
## الـفرحة الـمبتورة… والـتهديد الـأخير
رجعت المستشفى بعد ساعتين من الـإنتصار الساحق ده. نمت على السرير وأنا حاسة إن جبل وانزاح من على صدري. البشمهندس عاصم ومها كانوا قاعدين معايا ب يـباركولي، والدكتورة ماجدة طمنتني إن الجنين وضع استقر تماماً بـ سبب الراحة الـنفسية.
على الساعة ٧ بـ الليل… تليفوني اتهز على الترابيزة… رقم غريب تاني… بس المرة دي مكانش واتساب… دي كانت مكالمة تليفون.
فتحت الخط وحطيت التليفون على ودني… جالي صوت عمر، بس صوته مكنش مـكسور… صوته كان هادي… هدوء الـمـوت.
— مبروك الشركة يا مدام كريمة… فرحانة بـ الـكرسي والـملايين؟ فاكرة إنك كسبتي الماتش؟
عمر قالها وبدأ يـضحك ضحكة قوية خلت شعر جسمي كله يـقف.
— عايز إيه يا عمر؟ إنت خلاص اِتطردت وبكرة هـ تـبقى في السجن.
قلت له بـ صرامة وبـ حذر.
— السجن ده لـ الضعفا يا حبيبتي… أنا مش هـ دخل السجن، لإن ورق الـتحاليل والتقرير الطبي اللي إنتي فرحانة بيه… دكتور حاتم غيره في وزارة الصحة من الصبح بـ ورق رسمي ب يـقول إنك عندك مرض نفسي وإنتي اللي كنتي ب تاخدي الحبوب دي بـ نفسك عشان تـسقطي الجنين وتـتبلي عليا وتـاخدي الورث بـ حكم الوصية! والدكتور حاتم حالياً مسافر برة مصر بـ باسبور جديد وفلوس م تـخرش المية… يعني قض*ية الـشروع في الـقت*ل بـقت قض*ية “تلفيق اِتهام ومرض نفسي” ضدك إنتي!
قلبي سقط في رجلي… ولقيت عمر ب يـكمل بـ نبرة مرعبة:
— قدامك ٢٤ ساعة يا كريمة… إما تـتنازلي عن الـ ٣٥٪ من الأسهم لـ اسمي بـ ورق رسمي… إما بكرة الصبح المستشفى دي هـ يـدخلها قوة من المباحث تـقبض عليكي بـ تهمة الـبلاغ الكاذب وتـلفيق الـقضايا، وهـ تـولدي ابنك وإنتي لـابسة الـكلبوش في سجن الـقناطر! اِختاري بـقى… ابنك يـعيش في حضنك… ولا يـتولد في الزنزانة؟
الخط قطع… والتليفون وقع من إيدي على السرير… وبصيت لـ مها وعاصم وعيوني مـبرقة من الـرعب… الـكابوس لسه مـخلصش… وعمر رسلان ب يـلعب في الـوقت الـضايع بـ سـكينة حامية!