أطلقت من سنن بقلم روماني مكرم 3
داخل حجز القسم الضيق، كانت الساعات بتمر على مروان كأنها سنين. ريحة المكان، وصوت المتهمين حواليه، والضلمة اللي بتلف الجدران، كل ده كان بياكل في أعصابه. بص لقميص بدلته الشيك اللي اتبهدل وبقى ريحته عرق وتراب، وافتكر كلامه لياسمين لما كان بيقولها “أنا هسيب بنتك تموت بدموعها”.. دلوقتي هو اللي كان بيموت بدموعه وخوفه من بكرة.
دخل عليه المحامي للمرة التانية، وبمجرد ما مروان شاف وش المحامي المقبوض، عرف إن مفيش مفر. سأله بصوت مرعوب وباهت:
“عملت إيه يا متر؟ الحاج صلاح وافق يخفف الشروط؟ بلاش موضوع السفر والاعتذار قدام الناس في البلد.. أنا كده هتدفن بالحيا!”
المحامي هز راسه بأسف وهو بيقفل شنطته:
“الحاج صلاح كلمته واحدة يا مروان. يا إما تمضي على الشروط دي وتيجي تقدم اعتذارك وتطلق في وسط البلد، يا إما القض*ية هتحال للجنايات الأسبوع الجاي.. وصدقني، بالمستندات اللي معاهم، هتاخد حكم مش هيقل عن سبع سنين سجن مع الشغل والنفاذ، ده غير تدمير مستقبلك ووظيفتك للأبد. قدامك ساعتين تختار.”
مروان حط إيديه على وشه وبدأ يعيط بكسرة وحرقة، كبرياؤه المزيف اللي بناه بالمنظرة والبدلة الشيك اتهد تماماً تحت رجلين الحق. وبصوت مبحوح قال:
“أنا موافق.. موافق على كل حاجة.. بس اخلص من الكابوس ده.”
## يوم الحساب في المنوفية
بعد تلات أيام، كانت شمس المنوفية طالعة دافية بتنور الغيطان الواسعة وبيوت البلد الأصيلة. دوار الحاج صلاح كان ماليان على آخره. كبار العائلات، العمد، والمشايخ من كل القرى المجاورة كانوا قاعدين على الكراسي الخشبية الكبيرة، والقهوة السادة بتتدور على الحاضرين في صمت ووقار يهز القلوب.
في وسط الدوار، كانت ترابيزة كبيرة محطوطة، وقاعد عليها المأذون الشرعي، وجنبه دفاتر الطلاق والوصولات والتنازلات. وعلى جنب، كانت ياسمين قاعدة ورا ستارة خفيفة في صالة الدوار الداخلية، شايلة ابنها ياسين في حضنها، والدموع في عينيها بس المرة دي دموع راحة ونصصرة، وأمها واقفة جنبها بتطبطب عليها وتقولها: “حقك جالك لغاية عندك يا بنتي، وراسنا اترفت في السما.”
فجأة، دخلت عربية تاكسي نزلت مروان والمحامي بتاعه. مروان كان ماشي وخطواته تقيلة، عينه في الأرض، وبدلته الشيك اللي كان بيتباهى بيها كانت مكرمشة ووشه دبلان وأصفر. أول ما خطى عتبة الدوار، عينين كل الرجالة والهيبة اللي في المكان اتجهت ناحيته بنظرات كلها استحقار للراجل اللي مبيصونش بيته ولا بيحترم الأصول.
