امي سمعت ابويا بقلم اماني سيد 1

وفعلاً، بعد كام يوم، لقيتها قايمة بدري عن عادتها، لابسة طقمها القديم المغسول المتهالك، وبتبص في المراية بقلة حيلة. عينيا كانت مراقباها من تحت اللحاف، قلبي كان بيدق بسرعة وعصرت أيدي على البطانية وأنا بقول في نفسي: “يارب لأ.. يارب ما تعملش كده في نفسها وعشان خاطرنا!”.

ربطت طرحتها، وخرجت من باب الشقة بصوت واطي عشان محدش يحس بيها. في اللحظة دي ملقيتش نفسي غير وأنا بقوم أجري وراها، حافية من غير جزمة، ونزلت السلم حتة واحدة من غير ما أعمل صوت.

كنت فاكرة إنها رايحة له، لكن تفاجأت لما لقيتها نازلة الشارع اللي جمب بيتنا… كانت بتمشي بخطوات مكسورة، عينها بتبص على المحلات بقلة حيلة وتتردد قدام كل باب قبل ما تدخل.

مشيت وراها من بعيد والدموع مغرقاني، شفتها وهي بتدخل أول محل قماش، وقفت قدام صاحبه وبصت في الأرض وهي بتتكلم، شفت الراجل وهو بيهز رأسه بالرفض وبيشاور لها بقلة ذوق إن مفيش شغل، خرجت وهي بتحاول تداري كسرتها. دخلت المخبز اللي بعده، وبعدها السوبر ماركت… كل محل تدخل تسأل فيه عن أي شغلانة تطلع منه وهي شايلة الخيبة في عينها.

عند أخر محل في الشارع، محل خضار صغير، وقفت ماما تتكلم مع صاحبه وتترجاه بصوت واطي إنها تشتغل عنده. الراجل بص لها بنظرة فيها طمع وغرور، وقرب منها وقال لها بنبرة صفرا سمعتها وأنا واقفة ورا عمود النور: “يا مدام دا أنتي لسة شابة صغيرة وعودك طري، والشغلانة دي محتاجة هدة وحيل وشيل وحط، ولا أنتي فاكرة الوقفة في الشارع ساهلة؟!”

ماما بلعت أهانتها بالعافية، وبصت في الأرض وقالت له بصلابة وإصرار أذهلوني: “أنا ست بآلف راجل يا معلم، واشيل وأحط أجدع من أي جدع، وجربني يومين تلاتة ولو مقضيتش شغل المحل كله وعجبتك شطارتي متدينيش ولا مليم!”

الراجل بص لثباتها وإصرارها، ولما لقاها قاطعة ومصممة تعتمد على نفسها، هز رأسه بقلة حيلة ووافق يشغلها عنده باليومية.

ومن اليوم دا، حياة ماما اتغيرت تماماً… بقت تصحى من أذان الفجر، تطبخ وتجهز الأكل لينا، وقبل ما تنزل كانت تجيب الخضار البايت اللي المعلم بيديهولنا بقرشين أو يفرزه للمحل، تنضفه وتطبخ منه أحلى أكل عشان ما نحسش بأي نقص.

وبقت تنزل تشتغل في محل الخضار طول النهار، وبين كل كام ساعة، تسيب المحل دقيقتين، تطلع تجري على السلم، تفتح باب الشقة تشقر علينا وتطمن إننا أكلنا وأخويا الصغير نام، وتبوس رأسنا بسرعة وتنزل تاني … كانت بتقاتل عشان لقمة عيشها الشريفة، وعشان تثبت لنفسها وللدنيا كلها إن كرامتها وكرامة ولادها خط أحمر.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *