مراتي بقلم زهرة 2
بدأت أفتش في الهدوم اللي رجعت بيها.. لقيت جلابية قديمة عليها تراب وطين مميز، ولقيت في جيب الجلابية كارت صغير مهلهل ومكتوب عليه بخط اليد: “الحاجة فاطمة.. تليفون: 010……..” وجنب الرقم اسم قرية صغيرة تابعة لمركز في محافظة تانية خالص في الدلتا.
قلبي دق بسرعة.. حسيت إن الخيط بدأ يظهر قدامي. أخدت الرقم وطلعت على صاحبي علاء المحامي، وطلبنا من جهة رسمية إنها تحدد لنا مكان وموقع الرقم
ده وصاحبه مين بالظبط. وفعلاً، خلال يومين عرفنا إن الرقم لست عجوزة عايشة في قرية ريفية هادية وبسيطة جداً.
سيبت ولادي في البيت ووصيتهم يخلوا بالهم من أمهم والولد، وأخدت علاء المحامي وركبنا العربية وسافرنا للقرية دي.. المسافة كانت حوالي تلات ساعات، وكل خطوة كان قلبي بيتقبض فيها أكتر.
المواجهة والصدمة الكبرى
وصلنا القرية، وسألنا عن بيت “الحاجة فاطمة”. الناس هناك كانوا طيبين وبسطاء جداً، ودلونا على بيت قديم مبني بالطوب الأحمر في آخر الشارع. خبطنا على الباب، وفتحت لنا ست عجوزة، وشها كله تجاعيد وطيبة، بس عينيها كانت دبلانة ومكسورة وكأنها بتبكي بقالها سنين.
أول ما شافتني أنا وعلاء استغربت وقالت بصوت مرتعش: “نعم يا ولادي؟ تاهين عن سكة ولا عاوزين حد؟”
دخل علاء في الكلام بكل هدوء وقال: “مساء الخير يا حاجة فاطمة.. إحنا جايين في موضوع بخصوص الست
‘إيمان’.. اللي كانت قاعدة عندك.”
لمحة نيوز
أول ما نطقنا اسم “إيمان”، الست العجوزة اتنفضت من مكانها، ودموعها نزلت زي الشلال، ومسكت في هدومي وهي بتصرخ وبتبكي بنبرة تقطع القلب: “إيمان؟! إيمان معاكم؟! والنبي قولولي فين محمود؟ حفيدي فين؟ بقالي شهور هموت عليه، قلبي اتكسر والبيت فِضي عليا بعد ما هربت بيه.. والنبي يا ابني قولي إنه بخير!”
صوتها وصراخها لم الجيران علينا في ثواني. دخلنا البيت بسرعة وقفلنا الباب عشان نهدّي الست ونفهم منها الحكاية كاملة. قعدت الحاجة فاطمة وهي بتترعش وبتمسح دموعها بطرحتها، وبدأت تحكي المأساة اللي مكنتش على البال:
”من خمس سنين يا ولادي، لقيت ست غلبانة قاعدة جنب محطة القطار بالليل ومتلقحة في البرد وبتعيط ومنهارة.. صعبت عليا جداً وأنا ست عايشة لوحدي بعد ما ابني الوحيد اتوفى في حادثة وسابلي بنته وزوجته. أخدت إيمان بيتي، وعطفت عليها، ولما سألتها مين أهلك، قالتلي إنها مقطوعة من شجرة ومالهاش حد في الدنيا وأهلها كلهم ماتوا.. صدقتها لإنها كانت باينة طيبة ومكسورة.”