دائما خطيبي يسئلني حكايات روماني مكرم2

صدمت المرأة، ونظرت إلى المظروف ثم إلى ابنها أحمد الذي كان ينظر للأرض بقلة حيلة ووجه يشتعل خجلاً. لم يتوقعوا أبداً أن نكون بهذه الحسم والسرعة في رد حقوقهم كاملة دون نقاش أو محاولة لاستعطافهم!

أخذت سعاد المظروف بلمح البصر، وفتحت حقيبتها ودفعت الفلوس فيها، ثم نظرت إليّ بعينين تتطاير منهما الحقد والشر وقالت وهي تتراجع نحو الباب:

— بكرة تقعدي جنب أمك وتخللي! بكرة تشوفي مين هيعبرك ولا يرضى بيكي وبجهازك القليل ده! ابننا ألف مين تتمناه، وغداً هجوزه سيد سيدك، عروسة تجيب جهاز بمليون جنيه وتملأ الشقة من السقف للأرض!

وقف حسام أخي، الذي كان قد دخل الشقة في تلك اللحظة وسحب الباب للداخل ببطء، ونظر لوالدة أحمد بابتسامة ثقة وثبات، وقال لها ناهياً المهزلة:

— ربنا يسعده يا طنط بالعروسة اللي هتجيب أطنان الملايات.. بس بره بيتنا بقى، عشان إحنا بابنا ما بيدخلوش غير العزيز النفس، ومتربي على الشبع. اتفضلي من غير مطرود!

خرجت والدة أحمد وهي تثرثر وتبصق في الممر، وخلفها أحمد يجر خطاه بكسرة وخيبة أمل لا توصف، بعدما أدرك أنه خسِر عروساً أصلية وعائلة محترمة لم تكن تطلب منه سوى التقدير والرجولة.

أُغلق الباب بصوت قوي أعلن نهاية تلك الحقبة السوداء من حياتي. التفتُّ إلى أمي، فوجدتها تنظر إليّ بدموع شرف وفخر، وأقبلت عليّ وجمعتني في أحضانها وهي تقول:

— رفعتِ راسي يا نور.. ربنا يعوضك باللي يعرف قيمتك وينضف قلبك، والحمد لله إن ربنا نجانا من العيشة مع الناس دي.

تبسمتُ وأنا أستند على كتف أخي وأمي، وأحسست لأول مرة منذ أشهر بطعم الحرية والراحة، وعلمت أن كرامة الإنسان لا تُقاس بعدد ملايات السرير ولا بدست الفوط، بل تُقاس بعزة النفس وشرف الكلمة.

**الجزء الرابع والأخير**

مرت الأيام والأسابيع بعد تلك الليلة، وكان الصمت الذي يلف بيتنا هذه المرة صمتاً مريحاً، يشبه الهدوء الذي يعقب العاصفة. أعدنا ترتيب الصالة، وأرجعنا كراتين الجهاز إلى الغرفة المغلقة، دون أن ينتابنا أي شعور بالندم أو الكسرة. بل على العكس، كانت كل قطعة مفارش أو طقم فوط أراه، يذكرني باللحظة التي اخترت فيها كرامتي وعزة نفسي على حساب زيجة تتغذى على الطمع والجشع.

وبعد مرور حوالي ستة أشهر، وصلتنا الأخبار عن طريق إحدى الجارات. خطب أحمد فتاة أخرى، استجابةً لرغبة أمه التي ظلت تبحث له عن عروس تتحدى بنا وتتباهى بها أمام الأقارب. عروس جاءت -كما تمنت سعاد- بأطنان المفروشات والملايات، وعشرات الشاشات والأجهزة، وجهاز يُغطي عين الشمس!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *