ارمله اخو جوزي حكايات رماني

أميرة قعدت تبكي بحرقة، وطلعت من شنطتها رزمة فلوس، وحطتها على الترابيزة الخشب قدام الحاجة فاطمة:

“والله ما كنت أقصد يا حاجة.. حسين اتصل بيا وكان حايطلقني ويرميني في الشارع. ادي الفلوس اهي.. الفين جنيه زي ما حسين قال، وعليها يمين طلاق إني ما ألمس قرش من اللي بيبعته غير لما سعاد تاخد ماهيتها وزيادة.”

الحاجة فاطمة بصت للفلوس بقرف، وبعدين بصت لأميرة وقالت:

“الفلوس دي مش حسنة منك.. دي حقها وعرق جبينها في سحلة التلات أيام، وحق عيال محمود اللي نسيتيهم. والفلوس دي مش هي اللي هتغسل قلة أصلك.. اللي هيغسله إنك تعرفي مقعدك كويس، وتعرفي إن بيت العيلة ده له رب يحميه، وإن سعاد دي خط أحمر.. لو سمعت منك كلمة تجرحها تاني، أو شوفتك تبصي لها بقلة قيمة، قسمًا بالله لأخلي حسين يكتب الشقة دي باسم عيال أخوه، ويرميكي لبيت أهلك بشنطة هدومك!”

أميرة هزت رأسها بالوافقة وهي بتبكي ومش قادرة ترد، كرامتها اللي كانت بتبني فيها بالافتراء أتدكت في لحظة تحت رجليها. بصت لسعاد وقالت بصوت متقطع:

“سامحيني يا سعاد.. عشان خاطر العيال اليتامى وعشان خاطر المرحوم.”

سعاد بصت لها بنظرة طويلة.. نظرة فيها وجع السنين والكسرة، بس كان فيها كمان سامح القوي اللي أخد حقه. اتنهدت سعاد وقالت:

“الله يسامحك يا أميرة.. المسامح ربنا، بس الدرس ده ما تنسيهوش. العيال اليتامى دول مالهمش غير ربنا وعمهم، والقرش اللي يدخل بيتك ومفيهوش بركة دعوة غلبان، بيتحرق ويحرق صاحبه.”

خرجت أميرة من البيت جارية على السلم كأنها هربانة من فضيحة، وسابت الفلوس على الترابيزة.

سعاد بصت للورقيات المالية، وبعدين بصت للحاجة فاطمة، وقالت بابتسامة مكسورة:

“أنا مش عاوزة ده كله يا حاجة.. أنا كنت عاوزة كر أمتي بس.”

الحاجة فاطمة مسكت إيد سعاد وضمتها:

“وده حقك يا بتي.. خدي فلوسك، وروحي لعيالك، وانزلي هاتي لهم كل اللي نفسهم فيه. حسين اتصل بالبنك وبيحول لك ماهية شهرية ثابتة باسمك أنتِ، من بكرة الصبح تنزلي تسحبيها مرفوعة الرأس.”

رجعت سعاد شقتها القديمة في الحارة.. الشقة اللي كانت دايماً ضلمة وساكتة. فتحت الباب لقت عيالها الصغار، “أحمد” و”منى”، قاعدين على الأرض بيلعبوا بِلَعَب قديمة ومكسرة، وعلى وشهم أثر الفقر والانتظار.

أول ما شافوها، أحمد قام يجري عليها:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *