مراتي 3
شلت الشنط، ومريم نزلت وهي ماسكة ابنها بحذر، وركبنا العربية. طول الطريق كان السكوت هو سيد الموقف، بس كان سكوت مريح، كأننا بنلم شتاتنا من جديد.
دخلنا عمارة بيت العيلة، وقلبي اتقبض أول ما قربنا من الدور الأول. لقيت باب شقة أمي مفتوح شوية، وهي واقفة في البلكونة باصة في الشارع. أول ما حسّت بينا، طلعت على السلم وقفت في وشنا بالظبط، وبصت لمريم نظرة نارية وقالت:
ـ راجعة تاني لعينك القوية؟ مش قلت لك ما تدخليش من الباب ده تاني؟
مريم اتخضت ورجعت خطوة لورا، بس أنا وقفت قدام مريم ومنعت أمي من إنها تقرب، وقلت بصوت عالي وثابت لأول مرة في حياتي:
ـ يا أمي.. لو سمحتي، مراتي راجعة بيتها، واتفقنا إن شقتنا هتكون لوحدنا، ومحدش هيتدخل في حياتنا لا من قريب ولا من بعيد. أرجوكِ سيبينا في حالنا عشان العيشة تكمل بالمعروف.
أمي فتحت بقها من الصدمة، ومكنتش مصدقة إن ابنها اللي كان بياخد جنبها دايماً بيقف قدامها عشان مراته. بصتلي بغضب شديد وقالت:
ـ بقى كده يا أحمد؟ بتطرد أمك من كلامها عشان مرتك؟ طيب والله لتندموا إنتوا الاتنين!
سابينا ودخلت شقتها وخبطت الباب بصوت هز السلم كله. مريم بصتلي بدموع في عينيها وقالت بصوت مبحوح:
ـ خايفة يا أحمد، شكلك خسرت أمك بسببي..
مسكت إيدها بحب وقلت:
ـ ما خسرتش حد يا مريم.. أنا بس بصلح الغلط اللي عملته من الأول، وتعالي نطلع بيتنا ونقفل علينا بابنا، وما تشيليش هم حاجة تاني.
دخلنا شقتنا، وقفلت الباب ورايا وحسيت إن الهوا رجع لصدري أخيراً. نيمت مريم على السرير، وشلت ابني وبسته على جبينه، وحسيت إن المعركة لسه مخلصتش، بس على الأقل.. بقينا مع بعض وتحت سقف واحد بيجمعنا لوحدنا.
تاني يوم الصبح، الدنيا كانت هادية بره شقتنا كأن الهدوء ده بيسبق العاصفة. مريم كانت قعدت في السرير وبتظبط هدوم البيبي، وملامحها كان باين عليها القلق، خصوصاً مع قرب معاد السبوع اللي أهلها هيعملوه. قربت منها وحاولت أهديها:
ـ مالك يا مريم؟ حاسك قلقانة ليه؟
بصتلي وقالت بصوت خفيف:
ـ خايفة يا أحمد.. خايفة أمك تعمل مشكلة تانية، أو تطرد أهلي لو جم هنا عشان ياخدونا للسبوع، ولا تضايق ماما وبابا يوم السبوع نفسه.
مسكت إيدها وبستها وقلت بثقة:
ـ متشليش هم خالص، أنا اتفقت مع خالك في التليفون، والعربية هتيجي تاخدكم من تحت باب العمارة على هناك على طول، ومش هتحتاجوا تطلعوا أو تحتكوا بحد تحت. وأنا هبقى معاكم خطوة بخطوة.