فرح حكايات اماني السيد 1

أول ما الشمس بدأت تطلع ونورها الباهت دخل من الشباك، حسيت بنفُور غريب من المكان. البيت اللي كنت شيفاه مملكتي، بقى فجأة زي القفص. قمت وجسمي تقيل، مش قادرة أشيل نفسي. دخلت الأوضة، طلعت شنطة سفر كبيرة من فوق الدولاب، وبدأت ألم فيها هدومي.

كنت برمي الهدوم في الشنطة بعشوائية، دموعي مكنتش بتنزل بغزارة، كانت بتنزل دمعة دمعة، باردة وثقيلة. وأنا بلم حاجتي، عيني جت على ألبوم صور فرحنا اللي كان محطوط في الكومودينو. فتحته وبصيت لصورته وهو بيضحك وباصص في عيني.. كنت غبية لدرجة إني مشوفتش السرحان اللي ورا ضحكته؟ مشوفتش إنه كان بيقنع نفسه بيا؟

قفلت الألبوم بقوة ورجعته مكانه. ماليش حق آخد ذكريات مكانتش ملكي من الأول.

قفلت الشنطة وسحبتها ورايا لحد الصالة. الأكل اللي على السفرة كان لسه زي ما هو، رمادي وباهت شبه كل حاجة في دنيتي دلوقتي. وقفت عند الباب، وبصيت نظرة أخيرة على الشقة.. هنا ضحكنا، وهنا خططنا، وهنا اتصدمت الصدمة اللي هتعيش معايا العمر كله.

طلعت، وقفت في السلم وقفلت الباب ورايا بالراحة، كأني بقفل صفحة من عمري انطوت بالغدر. نزلت السلم خطوة خطوة، وكل خطوة كانت بتبعدني عن “أحمد” وعن الوهم اللي عشته معاه. ركبت أول تاكسي قابلني، ولما السواق سألني: “على فين يا مدام؟”

غمضت عيني وقولت بقلب مخلوع:

ـ على بيت أبويا.. وِديني هناك.

 

طول الطريق وأنا باصة من شباك التاكسي، الشوارع بتجري قدامي والناس ماشية في زحمة يومها الطبيعي، ومفيش حد حاسس بالزلزال اللي هد حياتي في ثواني. كنت حاطة إيدي على بطني وبضغط عليها، كأني بحاول أثبّت الوجع اللي عمال يخلع في ضلوعي.

التاكسي وقف قدام بيت أبويا. البيت اللي خرجت منه قبل سنين وأنا فاردة جناحاتي وفرحانة ومطمنة إني رايحة لعش عمري. نزلت وسحبت الشنطة ورايا، خطواتي كانت أتقل من جبال الأرض كلها. طلعت السلم وأنا بنهج، مش من التعب، من الحمل اللي كتم على نفسي.

وقفت قدام الباب، إيدي اترعشت وأنا بمدها للجرس. رنيت مرة.. والتانية. فتحت لي أمي. أول ما عيني جت في عينها وشافت الشنطة في إيدي والكسرة اللي مغطية وشي، ملامحها اتخطفت وشهقت:

ـ أسماء! مالك يا بنتي؟ فيكِ إيه؟ والشنطة دي إيه؟ أحمد جرى له حاجة؟!

مقدرتش أنطق.. الحروف اتمحت من على لساني. ارتميت في حضنها وسبت الشنطة من إيدي. في اللحظة دي بس، دموعي المحبوسة انفجرت.. بقيت أعيط بشهقات عالية، عياط قهر ووجع طالع من أعمق حتة في روحي. أمي كانت بتطبطب عليا وهي مرعوبة وبتناديني:

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *