دائما خطيبي يسئلني حكايات روماني مكرم1

كانت كلمة “بتعمل حمام على السرير ولا إيه؟” تدوي في أذنيه كالرعد. تنحنح أحمد وهو يحاول استعادة توازنه وهيبته المهدورة، وقام واقفاً ببطء، وعيناه تتطاير منهما شرارات الغضب الجاهل. لم يستوعب كيف لفتاة هادئة ومطيعة مثلي أن تجرؤ على التلفظ بكلمة كهذه في وجهه، هو الذي اعتاد أن يسمع مني كلمة “حاضر” و”نعم” لكل أفكاره وأفكار والدته التعسفية.

في تلك اللحظة بالذات، خرجت أمي من المطبخ على صوت الصراخ الذي هز جدران البيت، وعلى وجهها علامات الرعب والفزع. كانت تحمل بين يديها صينية العصير، ولما رأت منظري وأنا أقف مشدودة القامة، وعيناي مليئتان بالدموع والغضب، وأحمد الواقف أمامي بكبرياء مجروح، كادت الصينية أن تسقط من يديها. وضعتها بسرعة على أقرب طاولة وقربت منا بخطوات مرتجفة وهي تقول:

— في إيه يا ولاد؟ صلوا على النبي! صوتكم واصل لآخر الشارع ليه؟ في إيه يا أحمد؟ إيه اللي حصل يا نور؟

نظر أحمد إلى أمي بنظرة مملوءة بالتكبر والانتصار المزيف، وكأنه وجد فرصة ليشفي غليله مني ويقلب الطاولة لصالح أمه. أشار إليّ بإصبعه المرتعش وقال بنبرة مليئة بالإهانة والتحقير:

— اتفضلي شوفي بنتك يا طنط! اتفضلي اسمعي الهانم متربية إزاي وبترد عليا تقول إيه! أنا جاي بتكلم معاها بالأصول، وبنقلها كلام أمي عشان نرتب أمورنا ونشوف ناقص إيه في جهازها، تقوم تتطاول عليا وتقولي كلام عيب وما يصحش يتقال لراجل هيكون جوزها؟!

تجمعت الدموع في عيني أمي وهي تتنقل ببصرها بيني وبينه، ولأنها امرأة طاعنة في السن، عاشت عمرها كله تفني صحتها ومالها من أجل تلك اللحظة، كان كل همها ألا تخرب زواجة ابنتها، وأن تمر الأمور بسلام حتى لو كان ذلك على حساب كرامتنا. التفتت إليّ أمي بعينين متوسلتين، وصوت مبحوح من الخوف وقالت:

— عيب يا نور! إيه اللي قولتبه لأحمد؟ تعوذي من الشيطان يا بنتي واعتذري لخطيبك، مهما كان ده كلام ما يصحش، وإحنا ناس بنعرف الأصول.

تلك اللحظة بالذات كانت بمثابة السكين التي طعنتني في فؤادي. أمي، التي انحنى ظهرها وهي تطوف الأسواق صباحاً ومساءً، التي باعت غوايشها الذهبية الأخيرة لتشتري لي المفارش والستائر وأفخر أنواع الفوط، تسألني أنا أن أعتذر لهذا الإنسان الذي لم يراعِ حياءً ولا إنسانية؟ هانت عليها نفسها وتعبها أمام جبروت هذا الرجل وأمه؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *