أطلقت من سنن بقلم روماني مكرم 3
الدوار كله ضج بصوت الهمهمات والنظرات اللي كملت على الباقي من كرامة مروان. مروان بصلهم والدموع نزلت من عينه بجد من كتر الإهانة والذل، ومقدرش حتى يشيل الكيس، جرى وخرج من الدوار وركب التاكسي وهو بيخبي وشه بإيديه من نظرات أهل البلد اللي واقفين في الشارع يتفرجوا عليه وهو مكسور وراجع مدحور لمدينته.
مرت الشهور، وياسمين بدأت تتنفس الحرية من جديد وسط عيلتها وأرضها. ياسين كبر وبقى عنده ست شهور، يضحك ويملا البيت بهجة وسعادة، والحاج صلاح شايله علطول على كتفه ويدور بيه وسط الغيطان ويقول له: “يا واد إنت هتبقى سيد الرجالة، وهتطلع شبعان وصاحب أصل.”
أما مروان.. فرجع لشقته القديمة وسط أمه ومرات أخوه، خسر وظيفته المحترمة واتنقل لوظيفة تانية صغيرة بمرتب ضعيف جداً عشان يقدر يعيش ويسدد ديون المحامين. أمه ومرات أخوه اللي كانوا بياكلوا من خير ياسمين، بقوا دايماً يتخانقوا معاه على المصاريف والقرش، وبقت الشقة تملأها النكد والخناقات بعد ما الخير والبركة انقطعوا من بيتهم للأبد.
وفي يوم من الأيام، كان مروان قاعد في القهوة الشعبية لابس لبس عادي جداً، دبلان ومهموم، وماسك تليفونه بيقلب في صفحات التواصل الاجتماعي، وفجأة عينه وقعت على بوست نازل على صفحة عائلات المنوفية..
البوست كان فيه صور لياسمين وهي واقفة وسط أرض أبوها، ووشها منور وبتبتسم وهي شايلة ابنها ياسين اللي لابس لبس فلاحي جميل، وجنبها الحاج صلاح والضحكة مالية وشه، والناس كاتبة بتبارك لياسمين على مشروعها الجديد اللي بدأته في تصنيع وتوريد المنتجات الفلاحي للمدينة والشركات الكبيرة باسم “منتجات الصلاح”.
مروان بص للصورة وحس بنغزة قوية في قلبه.. الندم والحسرة كانوا بياكلوا في روحه وهو شايف البنت اللي ذلها وهي ناجحة وسعيدة ووسط أهلها، والخير اللي كان بياكله بقى بيتباع ويكبر من غيره.
لكن مروان مكنش يعرف إن لسه في فصل أخير في القصة دي.. فصل هيجيب رجليه لبيت ياسمين تاني بس بطريقة تانية خالص.. طريقة مكنش يتوقعها أبداً..
تليفون مروان كاد يسقط من إيده وهو بيبص لصور ياسمين وابنه ياسين اللي كبر وبقى مالي الشاشة بضحكته المنورة. كان بيمسح على شاشة التليفون بصوابعه المرتعشة، ونغزة الحسرة والندم بتنهش في قلبه نهش.
كل شيء حواليه في المدينة بقى ضيق وكئيب؛ الشقة الشعبية اللي كانت دايماً مليانة بضحك أمه ومرات أخوه وهما بيفرحوا بالبط واللحمة اللي جاية من خير المنوفية، اتحولت لخرابة تسكنها الخناقات والمشاكل اليومية على تمن العيش ومصاريف البيت. أمه مبقتش تبطل دعاء وضيق، ومرات أخوه بقت تبص له بنظرات استقلال بعد ما اتفصل من وظيفته المحترمة وبقى شغال كاتب حسابات صغير في مخزن خردة بمرتب يدوب يكفي تمن مواصلاته.