أطلقت من سنن بقلم روماني مكرم 3
الباب اتقفل، وتبقى مروان واقف في نص المكتب، مكسور ودبلان، قدام ياسمين والحاج صلاح.
ياسمين بصت له بنظرة هادية جداً، نظرة خالية تماماً من الغضب أو الانتقام.. كانت نظرة “استغناء” وشفقة، ودي أصعب نظرة ممكن راجل طماع يشوفها من الست اللي ظلمها. وقالت بنبرة هادية وقوية:
“اتفضل اقعد يا أستاذ مروان.. اعرض علينا الملف والأسعار بتاعة المعلم بتاعك عشان وقتنا ضيق.”
مروان قعد على الكرسي وهو مش قادر يبص في عين ياسمين، وطلع الملف بإيد ترتعش وحطه على المكتب وقال بصوت مبحوح:
“ياسمين.. أنا.. أنا مش جاي عشان الشغل بس.. أنا جاي وأنا بموت كل يوم ميت مرة.. السنتين اللي فاتوا وروني النجوم في عز الظهر.. وعرفت إن كسر الخواطر وذل الناس الطيبين عقابه بيبدأ في الدنيا قبل الآخرة. أنا آسف يا ياسمين.. أنا مكنتش راجل معاكي ولا مع أهلك الطيبين.”
الحاج صلاح بص له، وحط عصايته على المكتب وقال بوقار الفلاح الأصيل:
“اللي مبيصونش النعمة يا مروان، بتمشي وتسبه للتراب. وإحنا طوينا صفحتك من يوم ما بصمت على ورقة الطلاق في الدوار.. بنتي مبقتش ياسمين المكسورة بتاعة زمان، ياسمين النهاردة بتمشي بلد بحالها وبتأكل عائلات كتير من خير أرضنا اللي كنت بتستهزأ بيها وتسمينا مغفلين.”
ياسمين أخدت الملف، وبدأت تقرأ فيه بجدية تامة كأن مروان مجرد مندوب ميعرفوش، وبعد دقايق مضا ب قلمها الشيك على العقد وقفلته، وبصت لمروان وقالت بوضوح:
“الصفقة دي تمت يا أستاذ مروان.. مش عشان خاطرك، لكن عشان المعلم بتاعك راجل شريف وبيرعى أكل عيش ناس كتير شغالين معاه، وإحنا مابنقطعش عيش حد.. وعمولتك من الصفقة دي هتوصلك كاملة لغاية عندك عشان تسدد ديونك.”
مروان دموعه نزلت وهو شايف كرمهم اللي ملوش حدود حتى مع اللي آذاهم، ووقف وهو بيبص لياسمين وقال بلهفة:
“طب وياسين؟ ابني.. ينفع أشوفه؟ ينفع أضمه لحضني ولو لدقيقة واحدة؟”
الحاج صلاح وقف وبص لمروان، والابتسامة الهادية رجعت لوشه، وقال له الكلمة اللي هتقلب موازين اللقاء كله وتحدد مصير مروان النهائي..
“ياسين هيفضل هنا يا مروان.. وسط اللي صانوه وصانوا أمه.. بس لو عايز ياسين يعرف إن له أب بجد مش مجرد اسم في شهادة الميلاد.. لازم تعمل الحاجة اللي هقولك عليها دلوقتي..”
ما هو الشرط الأخير والغير متوقع اللي هيطلبه الحاج صلاح وياسمين من مروان عشان يسمحوا له يشوف ابنه ياسين ويكون جزء من حياته؟ وكيف سينتهي صراع الطمع والجحود أمام أصل وكرم أهل المنوفية؟
