أطلقت من سنن بقلم روماني مكرم 3
ياسمين بصت له، ولأول مرة ابتسامة خفيفة وراقية ترتسم على وشها، وقفت من ورا مكتبها وقالت بنبرة هادية:
“بما إنك قبلت يا مروان وظهرت أصلك الحقيقي اللي تاه منك.. أنا مش همنعك من ابنك. ياسين ملوش ذنب يطلع ميعرفش أبوه.. بس افتكر دايماً، كرامتي وكرامة أهلي خط أحمر، والفرصة دي هي الأولى والأخيرة.”
التفت الحاج صلاح وفتح باب المكتب ونادى بصوته الحنين:
“هاتوا ياسين يا ولاد.”
دخلت السكرتيرة وهي شايلة ياسين الصغير. أول ما الولد دخل، مروان نزل على ركبه على الأرض وبسط إيديه وهو بيبكي بحرقة ويقول: “تعال يا ياسين.. تعال لحضن أبوك يا ابني.”
ياسين بص له ببراءة الأطفال، ومشي بخطواته الصغيرة المترددة لغاية ما وصل لمروان. مروان ضمه لحضنه بكل قوته، ودفن وشه في كتف ابنه الصغير وهو بيستنشق ريحته الطيبة ويبكي بكسرة وندم وفرحة في نفس الوقت.. كأنه بيرجع للدنيا من جديد بعد سنين ضياع.
ياسمين والحاج صلاح كانوا واقفين بيبصوا للمشهد برضا وراحة نفسية.. عرفوا إن حقهم جادلهم تالت ومتلت، وإن الأصول والكرم انتصروا في النهاية على الطمع والجحود.
مرت السنوات سريعة كأنها الهوا..
ياسين بقى عنده سبع سنين، كبر وبقى شاطر في مدرسته، وراجل صغير يعتمد عليه. ومروان التزم بوعده تماماً؛ ربنا كرمه واشتغل في وظيفة حسابات محترمة تانية وأمينة، وبقى بيشقى بجد ويصرف على أمه بالمعروف، ويبعت نفقة ياسين أول كل شهر بالقرش والمليم قبل ما يطلبوا. وبقى يجي المنوفية كل أسبوعين، يدخل دوار الحاج صلاح بأدب واحترام، ياخد ابنه في حضنه ويفسحه ويقعد معاه، وياسمين بتعامله بحدود وأدب كأب لابنها ومفيش أي تواصل تاني بينهم.
أما شقة مروان القديمة في المدينة.. ففضلت زي ما هي، بس حماته (أم مروان) ومرات أخوه بقوا يشوفوا ياسمين وصورها في التلفزيون وفي المجلات كأكبر مصدرة للمنتجات الفلاحية في وجه بحري، ويتحسروا على الخير اللي طار من إيديهم بسبب طمعهم وجحودهم، وعرفوا إن اللي يطمع في حق الناس الطيبين.. يعيش العمر كله مكسور وجعان.
وياسمين فضلت نوارة المنوفية، واقفة في أرض أبوها، رافعة راسها بالسما، وسندها ابنها ياسين وأبوها الحاج صلاح اللي كان دايماً يطبطب على كتفها ويقولها:
> “يا بنتي.. شجر الأصول بيفضل يطرح خير ليوم الدين.. واللي يزرع كرم، مبيجنيش غير هيبة وكرامة ونصر من عند رب العباد.”