أطلقت من سنن بقلم روماني مكرم 3
“ياسمين؟ الحاج صلاح؟” تمتم بيها مروان بصوت مرعوب وباهت.
المعلم بص له باستغراب وقال:
“جرى إيه يا مروان؟ وشد حيلك كده.. مالك اتخضيت كأنك شفت عفريت؟ إنت تعرفهم ولا إيه؟”
مروان بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت مخنوق:
“لا.. لا يا معلم.. بس الاسم مش غريب عليا.. حاضر، هجهز الورق وهروح بكرة.”
مروان مكنش قدامه اختيار؛ يا إما يرفض الشغلانة ويطرد من الوظيفة الوحيدة اللي بتاكله عيش هو وأمه، يا إما يروح ويواجه ماضيه وجحوده وجهاً لوجه.. ويقف قدام ياسمين اللي ذلها، وقدام الحاج صلاح اللي كسر مناخيره بالأصول والأدب.
## العودة للمنوفية.. مكسور الجناح
تاني يوم، ركب مروان الميكروباص وراسه ساندة على الشباك، والذكريات بتمر قدامه كأنها شريط سينما. افتكر لما كان بيرفض يقعد مع أهل ياسمين ويقول “أنا مأكلش مع فلاحين”، وافتكر لما كان بياخد اللحمة والبط ينزل بيهم لأمه ويقول “أهلك بخلاء”.. والنهاردة هو رايح لبلدهم، راكب ميكروباص متبهدل، وشايل ملفات الشغل عشان يطلب رضاهم ويترجاهم يقبلوا الصفقة عشان ياكل عيش.
وصل مروان لمقر الشركة الجديد اللي بناه الحاج صلاح على أطراف القرية؛ مبنى شيك جداً وواسع، وواقف قدامه عربيات نقل ضخمة بتحمل بضاعة وخير طالع للمحافظات التانية.
دخل مروان من الباب بخطوات مرتعشة، وبص للناس والموظفين اللي شغالين بهمة ونشاط. السكرتيرة استقبلته وقالت له:
“اتفضل يا أستاذ مروان.. الحاج صلاح والست ياسمين مستنيينك في مكتب الإدارة جوة.”
مروان حس بقلبه هيقف من الخوف. مشي ورا السكرتيرة لغاية ما فتحت باب المكتب الكبير والمكيف.
أول ما دخل، عينه جت على المكتب الفخم.. كانت قاعدة ياسمين، لابسة لبس شيك جداً ووقور، ووشها منور بملامح سيدة أعمال واثقة من نفسها ومفيش في عينيها أي أثر للحزن أو الكسرة اللي سابها فيها. وجنبها كان واقف الحاج صلاح بهيبته ووقاره وجلبابه النظيف، وفي حضنه طفل صغير جميل بيضحك.. ابنه ياسين اللي بقى عنده سنة ونص.
ياسين كان لابس لبس جميل وشبه ياسمين قوي. أول ما مروان شاف ابنه، دموعه غلبت عينيه ونزلت رغماً عنه. خطى خطوة لقدام وهو بيمد إيده وصوته بيترعش:
“ياسين.. ابني..”
لكن الحاج صلاح طبطب على ضهر الطفل الصغير، وسلمه للسكرتيرة بهدوء وقال لها: “خدي ياسين يا بنتي خليه يلعب برة مع عمامه.”