كنت عند حماتي بقلم اماني سيد 4
ساد الذهول والصمت القاتل في الصالة بعد كلام حسين الحاسم والمدوي..
فتحية بصت لعلي برعب وهي مستنية كلمته، وعلي واقف مذهول ومكتوف اليدين بين خسارة شقته وحياته وزوجته، أو الدخول للسجن بفضيلة التزوير والنصب على أخوه!
في هذه اللحظة الخاطفة، رفع علي رأسه، ونظر إلى حسين، ثم نظر إلى سارة بقلة حيلة ونظرة انكسار لم يُرَ مثلها من قبل، وأخذ يناضل ليلتقط أنفاسه قبل أن ينطق بالقرار الذي سيحدد مصير العائلة إلى الأبد…
وقف علي في منتصف الصالة كأنه شجرة جافة عصف بها إعصار شديد، التفت يميناً ويساراً فلم يجد وجهاً واحداً ينظر إليه بعين الرحمة أو الشفقة. كبار العيلة يجلسون بوجوه جهمة كأنهم قضاة ينتظرون النطق بالحكم، وأمه تبكي في صمت وتداري وجهها بوشاحها خجلاً من خزي ولدها، وزوجته فتحية تراجعت إلى الوراء خطوات، تحاول أن تنفض عن نفسها غبار الخدعة وتبحث عن مخرج نجاة فردي ولو كان على حساب كرامة زوجها.
بلع علي ريقه بمرارة، وشعر بأن الأرض تميد تحت قدميه. كان يظن أن استغلال طيبة أخيه المغترب حسين وسذاجة سارة سيكون مجرد جولة سريعة يحقق منها مكاسب مالية وسداداً لديونه، ولم يدُر بخلده لحظة واحدة أن كشف اللعبة سيجرّه إلى هذه الزاوية الضيقة التي يخيّر فيها بين حريته وبين كل ما يملك.
تنفّس علي بصعوبة، وصوته خرج متهدجاً كأنه يخرج من بين أنياب موت محقق:
«أنا موافق يا حسين.. موافق على كل اللي تقوله.. اكتب التنازل اللي إنت عايزه، ونازل معاك بكرة الشهر العقاري أتنازل لك عن نصيبي في الشقة والورشة عشان تسدد القروض والمصايب دي وتفك اسمك من البنوك.. بس أرجوك بلاش النيابة، بلاش حبس وفضايح أكتر من كده أمام الناس والعيلة.»
ساد الصمت القاتل جدران البيت، ولم يكن يُسمع فيه سوى صوت شهقات فتحية العالية التي أدركت في هذه اللحظة أن كل ما حلمت به وقاتلت من أجله بالنصب والكذب قد انهار في لحظة واحدة.
لكن حسين لم يتراجع، بل التفت إلى علي بنبرة قاطعة كالصلب، وقال:
«والشرط التاني يا علي؟ الشرط التاني مش هتنازل عنه ولا هسمح بوجود الحية دي في وسطنا دقيقة واحدة كمان.. دي مش ست تصون بيتك ولا حمت كرامتك، دي كانت أول واحدة شجعتك على التزوير وجرّتك لطريق الحرام والدعاء بالمرض عليا وعليك، وكانت أول واحدة تتخلى عنك وتسيبك تشيل الشيلة لوحدك قدام الناس لما الحقيقة انكشفت.»