ابني خرج يلعب…..

أخر حاجة فاكرها قبل ما أروح في دنيا تانية، هي صوتي الخافت المكتوم وهو بيطلع مني بكسرة قلب:
“مراتي.. بتخـ,ـونني..”

فتحت عيني بالعافية، النور الأبيض بتاع السقف كان بيزغلل في عيني، وريحة المطهرات والديتول مالية المكان. أيديا ورجليا كانوا مربوطين في السرير بأربطة قماش تقيلة مش قادر أحركها. الصوت حواليا كان هادي كأنه مقـ,ـبرة، والحقن المهدية كانت مخلية جسمي زي الخشب، بس عقلي.. عقلي كان لسه بينزف من الكلمة اللي قطعت قلبي: “مرتك بتخـ,ـونك”.

كنت بنام وأقوم على نفس الكابوس، وشها، وضحكة البنت اللي ملحقتش تفرح بالدنيا، والصوت الواطي الخبيـ,ـث اللي في التليفون. بقيت أهز رأسي في السرير وأنا بدمع وفي بوقي حشرجة مكتومة: “ليه يا رب.. ليه تعملي كدة وأنا اللي شيلتك في عيني؟”.

وفجأة.. الباب اتفتح.

دخل أمين شرطة ومعاه ظابط، وجنبهم أبو مراتي.. الراجل كان ضهره منحني كأنه كبر ستين سنة في يومين، وشّه شاحب زي الجـ,ـثة وعينيه حمرا دـ,ـم ومطفية.

أول ما شفت أبوها، ناري اترمت من جديد، وبقيت أعافر في الأربطة وأصرخ بصوت مبشوح ومكسور:

“بنتك جابتلي العـ,ـار يا عمي!! بنتك ضيعتني وخدت بنتي وراحت لللي كانت بتخونني معاه!! هربت وسابتني يا ناس!!”

أبوها ما نطقش.. خطى خطوتين ناحية السرير، وركبه خارت ووقع على الكرسي اللي جنبي، وبدأ ينتخب ويبكي بصوت يقطع القلب، صوت راجل عجوز بيتقطع من الجوا.

الظابط قرب مني، نظرة عينه مكنتش نظرة اتهام ولا قسـ,ـوة.. كانت نظرة شفقة ورحمة تقطم الضهر. حط إيده على كتفي وقال بصوت واطي وهادي:

“اهدى يا ابني.. اهدى وصلي على النبي. مرتك مظلومة.. وشرفها أطهر من الثوب الأبيض.”

اتسمرت في مكاني.. العفرة وقفت في زوري، وعيني اتسعت وأنا بصصله ومش فاهم:

– “يعني إيه؟.. أمال التليفون؟! أمال المكالمة؟! راحوا فين؟!!”

الظابط طلع كيس بلاستيك شفاف فيه الموبايل بتاعي اللي كان مكسور، وقال وهو بيبصلي بأسى:

“صاحب المكالمة ده مسكناه.. طلع مسجل خطر، من أرباب السوابق في التثبيت والسـ,ـرقة. وشافك وأنت متلخبط بتدور عليها في الشارع، حب يلبسك في الحيطة ويخليك تبعد عن الطريق وتتجنن عشان يغطي على جـ,ـريمته!”

قلبي طار من مكانه، وحسيت برعب أكبر من رعب الخيانة بمليون مرة.. رعب سكت الكلام في لساني.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *